يا توانسة.. رمضانكم حرية!

يا توانسة.. رمضانكم حرية!
فاتن فرادي
2018-06-03 23:31:52


احتدم الجدل مؤخرا في تونس حول إغلاق المقاهي والمطاعم خلال شهر رمضان  والحق في الإفطار جهرا وليس هذا الجدل بالجديد بعد ثورة 17 ديسمبر 2010- 10 جانفي 2014 ولا سيما إثر المصادقة على دستور 2014.

وقد كان لهذا الجدل صدى إعلامي واسع خاصة إثر تصريحات وزير الداخلية التونسي لطفي براهم ردّا على الانتقادات الموجهة إلى وزارته بسبب تطبيقها لمرسوم مزالي لسنة 1981 القاضي بإغلاق المقاهي والمطاعم خلال ساعات الصيام ما عدا بعض الأصناف المستثناة.

فقد أشار الوزيرإلى أن تطبيق "منشور المزالي" ، يهدف إلى منع حدوث ردود فعل عنيفة قد تؤثّر
 على الأمن العام و إلى درء خطرالإرهاب إذ أنّ الجماعات المتطرفة  قد تتخذ من عدم تطبيق المنشور ذريعة للتحريض على الدولة وارتكاب أعمال عنف.

كما أكّد أن الوزارة تسهر على حماية مشاعر المسلمين مثلما تحرص تماما على حماية مشاعر ومقدّسات المسيحيين واليهود.

ولكن من يحمي غير المسلمين؟ أفلا يوجد مواطنون من غير المسلمين واليهود والمسيحيين
أو من المسلمين الذين يمارسون دينهم وفق قناعاتهم الشخصية وبطريقة مختلفة عن الأغلبية؟

أليست الجمهورية التونسية دولة قانون؟ ألم يقرّ الفصل 6 من الدستور بأنّ " الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية....... تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها. "؟ فأين نحن من حرية المعتقد والضمير  وأيّ دور تلعبه الدولة لكفالتها؟؟

أليست وزارة الداخلية وهي أحد أذرعة السلطة التنفيذية في البلاد، بصدد التضييق على المفطرين
وعلى أصحاب المقاهي والمطاعم والتشجيع على الفكر الإقصائي  الذي لا يقبل الاختلاف بدلا من نشر قيم الاعتدال والتسامح؟؟

وأين نحن من الدولة المدنية التي "تقوم على المواطنة  وإرادة الشعب وعلوية القانون" التي يكرّسها الفصل 2 من الدستور والفصل 49 منه الذي ينص على أنّ القانون يحدّد" الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها......"

فالدولة تتدخل في ضمائر الناس وتمنعهم من ممارسة حريتهم الشخصية في الإفطار علنا علما وأنّه ليس هناك أي نصّ قانوني يمنع ذلك وأنّ المنشور المعتمد من قبل وزارة الداخلية هو نصّ غير قانوني وغير دستوري ومناف للمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية.

ويجدر التذكير بأن المنشور يوجد في أسفل هرم المصادر القانونية وأنه وثيقة/أداة إدارية ذات صبغة داخلية يصدر عن سلطات عليا في الجهاز الحكومي إلى المستويات الدنيا التابعة لها ويكون الهدف منه توضيحيا وتفسيريا أو تنفيذيا ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون متعارضا مع القوانين فما بالنا إن كان متضاربا مع أحكام الدستور!

 

 

ولا غرو في أن السلطات التونسية تكيل بمكيالين أو أكثر.

إذ أن هناك من المناشير مالم تعد وزارة الداخلية تطبقها رغم أنها موجودة ولم يتمّ إلغاؤها وهناك ما تمّ إلغاؤه مثلما تم ذلك مؤخرا بالنسبة  لمنشور 1973 الذي كان ينص على وجوب توفير شهادة اعتناق الإسلام من قبل  القرين الأجنبي كي يتم الاعتراف رسميا بعقد زواجه من المرأة التونسية.

وبعيدا عن التحليل القانوني، تبدو تصريحات وزير الداخلية خطيرة من جانب آخر كذلك. إذ أنه استعمل فزاعة الإرهاب وضرورة الحفاظ على الأمن العام. فهل الحفاظ على الحريات الفردية للمواطن وحقوقه يمسّ من الأمن العام للبلاد؟ وهل أن الدولة التونسية ضعيفة لحدّ عدم احترام أسس الديموقراطية تفاديا لغضب الإرهابيين؟

 

وبالرغم من هذا الموقف الرسمي المناهض لحقوق المواطنين فإن وجود هذا الجدل داخل المجتمع التونسي إيجابيّ إذ يدلّ على تكريس حرية التعبير في تونس ما بعد الثورة على عكس ما يجري في بلدان عربية أخرى لا تسمح حتى بالنقاش حول مسألة الإفطار في رمضان من عدمه. كما أنّ المجتمع المدني أثبت مرّة أخرى حيويّته والتزامه بالدفاع عن الحرّيات.فقد أطلق الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية  حملة "رمضانكم حرّية" مؤكدا على دستورية الحرّيات الفردية  ودعا  السلطات التونسية إلى ضمان احترام الحريات الفرديّة ولا سيّما حريّة الضمير وحريّة المعتقد.
وحذّر الائتلاف، من "خطورة الافعال التي تهدّد حرّية الضمير في بلادنا والتي تشكّل إنكارا لقيم العيش المشترك وتهدّد بشكل جدّي النموذج المجتمعي ومكاسب الشعب التونسي، وخصوصا حرّياته المضمونة دستوريا".وأمضت على هذا البيان  العديد من الجمعيّات ومن بينها الجمعيّة التونسيّة للدفاع عن الحرّيات الفرديّة والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان و الجمعيّة التونسيّة للنساء الديمقراطيّات.

كما نظّم العديد من الناشطين الحقوقيّين حملة "مش بالسيف" (ليس بالإجبار) وقاموا بمسيرة يوم 27 ماي 2018  مطالبين  بفتح المقاهي والمطاعم أثناء ساعات الصيام وضمان حق المواطنين غير الصائمين في الإفطار علنا وعدم التمييز بين الأجانب والتونسيين في هذا الخصوص. كما دعوا الدولة التونسية إلى ضمان حرية الضمير والمعتقد لجميع المواطنات والمواطنين والحفاظ على مقوّمات الدولة المدنية.

 

وبالرغم من هذا الحراك، لم تغيّر وزارة الدخلية موقفها وقد صرّح مؤخرا الناطق الرسمي  باسمها بأنّ الوزارة سلطة تنفيذية وأنها تنفّذ المنشور مادام موجودا وإن تمّ إلغاؤها فإنها ستتوقّف عن تنفيذه.

 

ويبدو للأسف أن الوقت غير  مناسب لقرار سياسي جديد و جريء يلغي منشور 1981 كما تمّ إلغاء منشور عدد 216 لسنة 1973 والمناشير الأخرى التي تحدّ من حريّة  المرأة التونسيّة من اختيار قرينها إذ أنّ البلاد تمرّ بفترة هشاشة سياسية كبرى  تعلو فيها الأصوات المطالبة  بتغيير الحكومة وقد تمّ تعليق العمل بوثيقة قرطاج2 التي كانت قوى سياسية واجتماعية عديدة قد اجتمعت حولها.

الرياح لا تهبّ في اتجاه الحقّ في الاختلاف وفي احترام الحريّات الفرديّة إذا كانت تمسّ بقناعات ترتبط  في ظاهرها بالدين الإسلاميّ.

وبالرغم من ذلك، لا بدّ من مواصلة النضال لأن أعداء الحريّة والتسامح يتمعّشون ويتغوّلون من صمت المضطهدين.

وعلينا جميعا  إن كنّا صائمين أو غير صائمين أن ندافع عن حقّ المفطرين في الإفطار علنا لا في الخفاء كجرذان تختبئ خوفا من أن يدوسها المارّون. فالمفطر مواطن كنظيره الصائم وله حقّ الوجود والاختيار والاحترام في اختياره.

ولعلّنا نعتبر ممّا قاله القسّ مارتن نيمولر المناهض لأدولف هتلر والذي قضى 7 سنوات في مراكز الاحتجاز النازيّة:

" جاؤوا أوّلا لأخذ الشيوعيين

وأنا لم أتكلّم لأنّني لم أكن شيوعيّا.

ثم جاؤوا لأخذ النقابيّين،
وأنا لم أتكلّم لأنّني لم أكن نقابيّا.

ثم جاؤوا لأخذ اليهود،
وأنا لم أتكلّم لأنّني لم أكن يهوديّا.

ثم جاؤوا لأخذي
ولكن لم يبق هناك أحد ليدافع عنّي"

 

 

أُضيفت في: 3 يونيو (حزيران) 2018 الموافق 19 رمضان 1439
منذ: 21 أيام, 14 ساعات, 30 دقائق, 31 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية تونس رمضان إفطار

التعليقات

102758
  • قائمة أفلام عيد الفطر 2018
  • التشكيل الكامل للحكومة الأولى في ولاية السيسي الثانية
روسيا تبدأ كرنفال المونديال
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟