كواليس ثورة 25 يناير

كواليس ثورة 25 يناير
2019-01-24 17:12:47

أمتلك الكثير عن أحداث ثورة 25 يناير، وكنت مندهشًا من تجاهل وسائل الإعلام لى عند الاحتفال بذكرى الثورة، ولكن ما خفف غضبى هو إدراكى لأحوال البشر وتقلباتهم، هم لا يستقرون على حال، اليوم معك وغدًا عليك، إنهم يولون وجوههم شطر المصلحة فقط. لذا أقر أنا ميدان عبد المنعم رياض الكائن فى قلب القاهرة، والمتاخم لأيقونة الثورة صديقى ورفيق الكفاح ميدان التحرير، بخالص الشكر والتقدير لأنكم منحتمونى هذه الفرصة، حتى لو جاءت متأخرة.

اعتدتُ منذ سنوات طوال أن يتوافد على خلال اليوم الواحد "أشكال وألوان" من المصريين، يأتون ويرحلون سريعًا، فبالرغم من ساحة الانتظار الصغيرة التى تتوسط مساحتى الكبيرة، وتمثالى الشامخ للشهيد البطل الذى أحمل اسمه، الشهيد عبد المنعم رياض، إلا أننى لست الوجهة المفضلة للانتظار الطويل، فأنا إما مدخلا لميدان التحرير، وإما منفذا للوصول إلى أماكن أخرى كثيرة؟

وبالرغم من الأعداد التى لا تُعد ولا تُحصى من الراجلين سريعًا فى طرقاتى، وبالرغم من سنواتى الممتدة فى مكانى هذا، إلا أننى لم أعش أيامًا مثل تلك التى عشتها منذ يوم 25 يناير، ولم أر زوارًا كهؤلاء الذين آنسوا وحدتى طوال 18 يومًا، هى عمر الثورة، أتذكرهم جيدًا وأتذكر المرة الأولى التى ترامت إلى مسامعى أصواتهم المنادية بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، كانت فى ذلك اليوم الذى انطلقت فيه أحدث الثورات الشعبية وأكثرها تأثيرًا، ثورة 25 يناير.

البداية
كانت أعداد هؤلاء الشباب يوم 25 يناير قليلة لم تملأ التحرير الشاسع، ولكن صوتهم كان جليًا، وبالرغم من أنهم لم يصمدوا كثيرًا وتمكنت قوات الشرطة من تفريقهم إلا أنهم تركوا أثرًا فى سكان المناطق المحيطة بى وبميدان التحرير، دفعت هؤلاء السكان وحثتهم على القيام بمسيرات وتظاهرات على مدار يومى 26 و27 يناير جعلت شرارة الثورة متقدة لتصل فى 28 يناير إلى ذروة الاشتعال.

جمعة الغضب
كان 28 يناير يوم جمعة، هادئا كعادته، فالمصريون عادة ما يكونون فى منازلهم مستقرين حتى يصدح النداء إلى الصلاة فى الأرجاء، ولكننى كنت أشعر أن هذا الهدوء هو ذلك الذى يسبق العاصفة، وقد كنت محقًا، فقد تفاجأت فى الظهيرة بحشود تأتى إلى من كل حدب وصوب، وأخرى ترغب فى الدخول إلى ميدان التحرير من مداخله المختلفة، جموع تفوق قدرتى على استيعاب شكلها أو تحديد وجهتها، ولكن حالة التعجب والمفاجأة قد تحولت فى لحظة إلى غضب واستنكار، بعدما وجدت بعض الشباب الذين مروا من خلالى يتساقطون غارقين فى دمائهم، ورأيت الدخان يملأ سماء القاهرة، وقد علمت أن الحزب الوطنى أصبح فى خبر كان، وأن النيران قد أضرمت فى كل شبر به، ولا أخفى خبرًا بأننى كنت أشعر بخوف شديد على المتحف المصرى، ليس فقط من ألسنة اللهب، ولكن من كل ما كان يحدث حولى من فوضى عارمة واشتباكات، ورائحة الموت التى كانت تنتشر فى كل مكان منذرة بخطر متربص.

فى نهاية هذا اليوم، الذى عُرف بجمعة الغضب، وبعدما اختفت قوات الشرطة من أمام ناظرى حتى أننى لم أعد ألحظ أيا من أفرادها، تمكن المتظاهرون من السيطرة على ميدان التحرير، ثم وجدت بعد ذلك ضيفًا جديدًا يهل على، آتيًا نحوى، لم أعتد على رؤياه، كان هذا الضيف هو دبابات الجيش التى ملأت محيطى،  ووجدت الجموع التى ظلت صامدة وسط كل ما حدث تحييهم وترحب بهم، فقد كانوا لهم آنذاك بمثابة المنقذ والمجير، والطرف المحايد الذى هدأت بخروجه إلى الشوارع الفوضى، وخفت حدة الخوف وعدم النظام، وفُرض تزامنًا مع نزوله إلى الشارع قرار حظر التجوال، الذى امتد من السادسة مساء إلى السابعة صباحًا، ومن بعد هذا اليوم تأكدت أن الأيام القادمة ستحمل مفاجآت كثيرة وأن الأحداث لن تهدأ سريعًا.


فى 29 يناير، كنت على موعد مع بداية التعرف عن قرب على ردود أفعال المتظاهرين اليومية، حول ما يحدث فى البلاد من خلال أحاديثهم، وفى هذا اليوم كانوا ممتعضين بشدة من خطاب مبارك الذى أقال فيه حكومة أحمد نظيف، ورفض خلاله التنحى،  وبدأت أستشعر من غضبهم ومن بطء تعاطى النظام مع مطالبهم أن هذه الاحتجاجات سوف تتحول إلى ثورة شعبية، فخطاب مبارك عزز رغبة المتظاهرين فى استمرار التوافد والاعتصام بالتحرير الذى يفصل بينى وبينه أمتار قليلة، وأتذكر فى هذا اليوم أيضًا أن الخوف كان هو المسيطر على الأجواء فى كل أرجاء المحروسة، فقد استمعت إلى أحاديث الشباب التى تضمنت كلمات لا تحمل معنى سوى أن الفوضى عمت البلاد، بعدما ساد انفلات أمنى مفاجئ وحُرق العشرات من أقسام الشرطة، وهرب كثير من المساجين من بعض السجون، وانتشرت أعمال السلب والنهب، لذا كان من الطبيعى أن يكون الشباب فى محيطى لجانًا شعبية لحماية أنفسهم ورفقائهم فى التظاهر من أى اعتداء، تمامًا كما فعل كل شارع فى مصر، شعرت حينها بأمان وهدوء واستقرار بالرغم من الأجواء الملتهبة التى شهدتها على مدى أيام قليلة ماضية.


كانت الأيام التالية متشابهة إلى حد كبير، مظاهرات مستمرة، وتوافد متواصل للمتظاهرين الذين بدأت ألحظ ملامحهم وسماتهم عن قرب بعدما هدأت وتيرة الأحداث قليلًا، كثير منهم يعبرون من خلالى إلى ميدانهم المنشود، الذى تحول إلى رمز للحرية، شبابا وكبارا وصغارا، مسلمين ومسيحيين، توجهات سياسية شديدة الاختلاف، لم أشهدهم يجتمعون فى مكان واحد من قبل، ولكن ما تعجبت منه حقًا أنهم يبدون للمرة الأولى منسجمين رغم تمايزهم، متناغمين وكأن كل الاختلافات بينهم قد ذابت فى غمضة عين، وكانوا جميعًا يخافون على بعضهم، يخشون أن يصيب أيا منهم أذى وكأنهم أفراد أسرة واحدة، ولا يمكن للكلمات أن تكون كافية لكى أصف حرصهم على النظافة، على غير العادة، وكأنهم مصريون غير هؤلاء الذين كنت أشهدهم يوميًا منذ سنوات طوال.

حراك
فى 1 فبراير، تفاجأت بحشود كبيرة تتوافد علىّ متجهة إلى التحرير، سمعت منهم أنهم قد أتوا استجابة إلى دعوة المعارضة لمظاهرة "مليونية" لإسقاط نظام مبارك، أعداد كبيرة كنت أراها تشغل المساحة الكبيرة بينى وبين التحرير، ولأننى كنت شديد القرب من التحرير كما ذكرت من قبل، فلم يكن من الصعب علىّ الاستماع إلى ما قاله الرئيس الأسبق مبارك فى خطابه هذا اليوم، كان يتحدث عن رفضه التخلى الفورى عن الحكم، وخير الشعب بين الفوضى أو الاستقرار، وأنه سيسعى للإصلاح وانتقال سلمى للسلطة، وتعديلات دستورية جديدة، كانت نبرة صوته مغايرة وكأنه استوعب أن هناك حراكًا حقيقيًا يحدث فى الشارع، ولكن الاحتجاجات على هذا الخطاب فى التحرير ومحيطه أى بالقرب منى كان صوتها أعلى، ورفض الكثيرون ترك الميدان وتعالت شعارات "الشعب يريد إسقاط النظام".

موقعة الجمل
وبالرغم من كل ما شهدته فى الأيام الماضية فإنه لم يكن شيئًا مقارنة بما شهدته يوم 2 فبراير، تاسع أيام الاحتجاجات، فقد شهدت موقعة هى الأشهر فى أيام الثورة الـ18، تلك الموقعة التى اشتهرت بـ"موقعة الجمل"، فقد تفاجأت فى منتصف اليوم، وبالتحديد فى الواحدة ظهرًا، بجموع آتية، كنت أحسبهم حشودًا جديدة قادمة لتؤازر المتواجدين بالتحرير، ولكن الحقيقة قد ظهرت حينما اقتربوا حاملين لافتات مؤيدة لمبارك معتلين خيولا وجمالا، وحاملين عصى وهراوات متجهين صوب الميدان، هدفهم هو الدخول إليه لطرد المتظاهرين من خلالى،  وفجأة حدثت اشتباكات دامية، كانت الحجارة وقطع الرخام والمولوتوف تطير فى الهواء أمام ناظرى، وكانت محاولات الاقتحام لا تهدأ، وفى لحظة اخترق المؤيدون الحواجز الحديدية التى وضعها الجيش لتأمين المتظاهرين، وانهالوا على المتواجدين بالتحرير ضربًا ولم يجد المتظاهرون بُدًا من الدفاع عن أنفسهم، فقاموا بتكسير أرصفة الميدان ليتبادلوا مع المؤيدين قذف الحجارة لردعهم، وصنعوا حواجز من بقايا سيارات الشرطة المحترقة، ووسط المعركة الطويلة المتواصلة، اندس بعض المؤيدين بين المتظاهرين داخل الميدان، واعتلوا أسطح المنازل وألقوا المولوتوف على المتواجدين فى الميدان، تعرض الكثيرون للإصابة وقتل آخرون، وانتشرت المستشفيات الميدانية فى الأرجاء لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ظل الوضع على هذا الحال حتى الصباح الباكر من يوم 3 فبراير، وبعدما هدأت الاشتباكات، وتمكن المتظاهرون بالميدان من صد الهجوم، كان الطريق إلى التحرير وبطبيعة الحال محيطى بعد هذه الموقعة مفروشًا بالحجارة، وسرعان ما اشتعلت معركة أخرى، وهى معركة تنظيف الميدان وإعادته إلى هيئته البهية التى كان عليها من قبل فى بضع ساعات.


وبعد هذه الأيام الملتهبة، هدأت وتيرة الاشتباكات والاعتداءات من جديد، واستمرت الاحتجاجات والمظاهرات الحاشدة والمليونيات المطالبة بإسقاط نظام مبارك، وامتلأت الأرجاء باللافتات، ولم يحدث أى أمر غريب خلال الأيام المتعاقبة سوى يوم 10 فبراير حينما علمت بأن هناك بيانًا أصدره المجلس الأعلى للقوات المسلحة، مؤكدًا فيه على مطالب الشعب المشروعة، وهنا بدأت التكهنات حول تنحى مبارك عن الحكم، ولكن خطابه الذى خرج فيه فى هذا اليوم رافضًا التنحى قابله الشباب الصامدون فى الميدان بكل أشكال الاحتجاج والرفض، وكان ردهم الذى أسمعه بوضوح "ارحل"، وكان هذا هو الرد أيضًا حينما وجه عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية الذى عُين فى هذا المنصب خلال أيام الثورة، رسالة إلى المتظاهرين مناديًا بالالتزام بالحوار الوطنى ومطالبًا الشباب بالعودة إلى الديار.

ووسط هذا الزخم، لم أكن أتخيل حينما أشرقت شمس نهار يوم 11 فبراير أن يكون هناك جديد يمكن أن يحدث سوى ما أشهده يوميًا منذ أن زين الشباب أرجائى وأرجاء ميدان التحرير، ومنذ أن أصبحت معبرًا إلى أيقونة الحرية، ولكن القدر فاجأنى كما فاجأ المصريين جميعًا فى مساء هذا اليوم، حينما استمعت إلى زغاريد وصيحات فرحة وتهليل، حينها تأكدت أن المستحيل قد حدث، وأن مبارك قد تنحى، وأمسك المجلس الأعلى للقوات المسلحة زمام أمور البلاد، لم تهدأ الفرحة فى أرجائى حتى بعد التنحى،  فقد استمرت لأيام وأيام تمامًا كالأعياد، رأيت فيها الشعب يدا واحدة شعارهم كان السعادة والفرحة، يباركون لبعضهم البعض على ما حققوه، يبتسمون، وفى أعينهم أمل ويقين فى قدرتهم على مواجهة أى صعاب، بعد ما مروا به وما أنجزوه فقط خلال 18 يوما، تبدلت خلالها أحوال البلاد والعباد. 

أُضيفت في: 24 يناير (كانون الثاني) 2019 الموافق 17 جمادى أول 1440
منذ: 5 شهور, 22 أيام, 7 ساعات, 56 دقائق, 55 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية كواليس ثورة 25 يناير

التعليقات

109150
تحقيقات
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
  • مو صلاح .. أمل المصريين في الكأس الأفريقية
تورتة ايرادات أفلام عيد الفطر
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟