اليمين المتطرف في مواجهة الهجرة : النموذج الإيطالي

اليمين المتطرف في مواجهة الهجرة : النموذج الإيطالي
فاتن فرادي
2019-02-25 13:27:47

 

على عكس ما قد يعتقد المتلقي عندما يتابع وسائل الإعلام في تناولها لمسألة الهجرة و بالرغم من ارتفاع عدد المهاجرين الدوليين فإنّ ثلثهم فقط ينتقل من بلدان نامية إلى دول متقدّمة.

فكلّما شاهدنا تقارير إخباريّة حول وصول مهاجرين غير شرعيين في زوارق ملآنة أو مهاجرين يسيرون أفواجا عابرين لأوروبا كما كان حال السوريين أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخّرا يهيّأ لنا أنّ هؤلاء "يغزون" العالم المتقدّم بأعداد كبيرة.
يلعب الإعلام  أو بالأحرى جزء كبير منه دورا كبيرا في بثّ الخوف من قدوم المهاجرين ومن وجودهم في المجتمعات المتقدّمة.
ولا يقتصر ذلك على التغطية الإخبارية لوصول المهاجرين بل كذلك للأحداث  الإجرامية التي تهزّ في البلدان المتقدّمة كغيرها من بلدان العالم والتي كثيرا ما يسلّط فيها الضوء على أصول المتّهمين حينما يكونون من الأجانب وهو ما يؤدّي عند تواتره إلى اقتران صورة المهاجر بالعبء والمخرّب والمجرم هذا بالإضافة إلى الخلط بين الهجرة الشرعية واللا شرعية.

ينضاف إلى الخطاب الإعلامي السائد، الخطاب السياسي للعديد من القادة وأخصّ بالذكر الأوروبيين وهم ينتمون إلى الحركات القوميّة الشعوبويّة. كماتايو صالفيني وزير الداخلية الإيطالي الذي تعدّدت في عهده الاعتداءات ذات الطابع العنصري ضدّ المهاجرين   و فيكتر أوربان الوزير الأوّل المجري الذي أكّد أنّه بتشييده حاجزا على طول الحدود الفاصلة بين سربيا والمجر في 2015  يحمي البلاد وأوروبا من "غزو" طالبي اللجوء. بل أنّه أرسل فاتورة إلى الاتحاد الأوروبي مطالبا بإعادة ما أنفقته دولته على بناء هذا الحاجز.
وهذه الحركات التي تمسك بزمام بعض البلدان الأوروبية لا تتوانى عن الدفع نحو إصدار قوانين وضبط سياسات "معادية" للمهاجرين ولإدماجهم في المجتمعات التي هاجروا إليها.  فالحكومة المتطرّفة في المجر تمكنّت من تمرير مشروع قانون يحقّ بموجبه للمشغل أن يطلب 400 ساعة إضافية من موظفيه سنويا مع إمكانية دفع مستحقاتها في أجل 3 سنوات. "قانون العبوديّة" هذا كما تدعوه المعارضة المجريّة يبرز حاجة المشغّلين إلى اليد العاملة وبدل وضع سياسة استيعاب لمهاجرين وفقا لحاجيات اقتصاد البلاد، فضّلت الحكومة اليمينيّة "استعباد" اليد العاملة المجريّة علما وأن الكفاءات المجريّة تهجر البلاد لانخفاض مستوى الرواتب.

أمّا في إيطاليا، فقد تمّ سنّ قانون الأمن والهجرة الجديد(ddl 840 /2018)  وربط الهجرة بالأمن إن كان يدلّ على شيء فهو   

 يدلّ  على مقاربة "حزب رابطة الشمال" المتطرف صاحب مشروع القانون وحليفه الشعبوي "حركة 5 نجوم"   

لمسألة الهجرة التي تمثّل بالنسبة إليهما خطرا يحدق بالمجتمع الإيطالي وليس فرصة للنمو ولبناء مستقبل مشترك في تناغم اجتماعي.

بالرغم من تأكيدهما الرسمي على أنهما يسعيان إلى إيجاد آليات أنجع لمقاومة الهجرة غير الشرعيّة فحسب، فإنّنا إن تأمّلنا نصّ القانون الجديد للاحظنا أنّه لا يخدم البتّة الاندماج الاجتماعي للمهاجرين بل أنّه في عديد من الحالات، يضعف منظومة استقبال المهاجرين في إيطاليا  ويحرمهم من بعض الحقوق. كما أنّه يعقّد إمكانيّة الحصول على الجنسيّة الإيطاليّة.
 

يحرم هذا القانون طالبي اللجوء من الإقامة بالمراكز التي ينتقلون إليها بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاستقبال المتعلقة باستكمال البيانات وتقديم ملفّات طلب اللجوء،حيث تقدّم مجموعة من الأنشطة والدروس من شأنها أن تساعدهم على الانخراط لاحقا في المجتمع الإيطالي. فلا ينتقل إلى هذه المراكز إلّا القصّر والمتمتّعون بالحماية الدوليّة.  كما لا يحقّ لطالبي اللجوء التسجيل بالسجل المدني بمكان إقامتهم وهو ما يحرمهم من عديد الحقوق المرتبطة بالإقامة كالحقّ في النفاذ إلى الخدمات الصحّيّة العموميّة إلاّ في حالات الطوارئ الصحّيّة وتسجيل الأبناء بالمدارس،إلخ.

كما تمّ بموجب هذا القانون حذف ترخيص الإقامة المتعلّق بالحماية الإنسانيّة و تعويضه بترخيص إقامة ل"حالات خاصّة".
بذلك تحاول السلطات الحدّ من تراخيص الإقامة المرتبطة ب"الحماية الإنسانية" وهو ما قد يساهم في إقصاء العديد من الحالات، ممّا سيجعلها خارج الإطار القانوني. ومن المعلوم أنّ إرجاع المهاجرين الوافدين إلى إيطاليا بطريقة غير نظامية إلى بلدانهم نادر جدّا. فسياسة الإقصاء التي تنوي الحكومة اعتمادها لن تؤدّي إلاّ إلا تفاقم عدد المهاجرين غير الشرعييّن.

و إلى ذلك، يتضمنّ هذا القانون قواعد تجعل من الحصول على الجنسيّة مطمحا صعب المنال إذ تمّ تمديد أجل المعالجة الإداريّة لملفّ طلب الجنسيّة من سنتين إلى 4 سنوات وذلك بمفعول رجعي بالنسبة للملفات التي تمّ تقديمها قبل صدور القانون والتي مازلت قيد الفحص. هذا بالإضافة إلى الرفع من معلوم طلب الجنسيّة. كما يسمح القانون بإسقاط الجنسية الإيطالية التي تمّ اكتسابها عبر الإقامة الطويلة أو الإقامة حتّى سنّ الرشد (18 سنة) أو الزواج إذا ما ثبت نهائيا أنّ المهاجر قد قام بعدد من الجرائم ومنها تلك المتعلّقة بالإرهاب.
وقد يبدو ذلك مشروعا لدولة تريد من مواطنيها أن يحترموا قوانينها وألاّ يمثّلوا خطرا عليها ولكنّ هذه القاعدة لا تنطبق على حاملي الجنسيّة منذ الولادة أو بالتبنّي. أفلا يعدّ هذا تمييزا بين المواطنين لا يتلاءم والدستور الإيطالي ومبدئ المساواة بين المواطنين؟

فما العمل إزاء هذه التيارات الشعبويّة والمتطرّفة التي تضرب مناطق عديدة من العالم ولا سيّما أوروبا؟

لا بدّ من الترويج لتناول سرديّ جديد  لظاهرة الهجرة يكون أقرب من الواقع وبعيدا عن التهويل والتخويف من المهاجرين وعن القوالب الجاهزة . ولا شكّ في أنّ كلّا من الإعلام والفاعلين في المجتمع المدني قادرون على تقديم هذا التناول السرديّ النزيه والأقرب إلى الموضوعيّة.

ولعلّ ردود فعل المنظمات الحكومية  المعنية بحقوق الإنسان وبالهجرة ضدّ القانون الجديد في إيطاليا وسعيها إلى تصحيح الصورة المغلوطة حول ظاهرة الهجرة لهي أبرز دليل على الدور الهام الذي يمكن للفاعلين في المجتمع المدني لعبه.

كما أنّه لا بدّ للطبقة السياسية المعارضة أن تساهم في مقاومة هذا المدّ اليميني المتطرّف الذي يكتسح جزء كبيرا من أوروبا. وهذا ما قام به رؤساء محافظات عدد من المدن الإيطالية  كبلارمو ونابلي وفيرنتسي الذي تمرّدوا على هذا القانون في جوانب تخصّ المهاجرين، رافعين راية الدستوريّة.  ومازال الأزمة مشتدّة بين الحكومة وخصوصا وزارة الداخلية و"المحافظين المتمرّدين" لعلّها تؤدّي إلى نزاع قضائي ومن ثمّة دستوري.

ولنا أن نتساءل حول الدور الذي يمكن للمجموعة الدوليّة أن تلعبه  عبر مساهمتها  في نشر مقاربة أفضل للهجرة ولإدارتها وبذلك في التصدّي للفكر اليميني المتطرف الذي يجعل من مناهضة الهجرة عمادا من أعمدة خطابه السياسي.
 لعلّها تساهم في نشر هذه المقاربة الإيجابية وفي الضغط على الدول الوقّعة على الاتفاقيّات الدوليّة  المبرة في هذا المجال لتحترم ما جاء فيها. هذا ما قد نطمح إليه لكنّ الواقع مازال بعيدا كلّ البعد عن ذلك  ويمكن أن يعتبر التصويت على الميثاق الدولي حول الهجرة مؤخّرا بمرّاكش دليلا على ذلك.

فهذا الميثاق هو وفق تعريف منظمة الأمم المتّحدة" أوّل اتفاق يتم التفاوض عليه بين الحكومات، وتم إعداده تحت رعاية الأمم المتحدة، لتغطية جميع أبعاد الهجرة الدولية بطريقة شاملة".

وبالرغم من أنّه يحتوي على مبادئ عامة ويؤكّد على صيانة سيادة الدول وحريّتها في تحديد سياساتها الوطنيّة في مجال الهجرة، فإنّ عددا من البلدان رفضت التوقيع عليه. يسيطر اليمين المتطرّف على الحكم في أغلبها ومن بينها:

الولايات المتّحدة الأمريكيّة، إسرائيل، أستراليا، المجر، تشيكيا، سلوفاكيا، بلغاريا، النمسا، بولونيا. وقد تغيّبت إيطاليا عن مؤتمر مرّاكش التي تمّ خلالها اعتماد الميثاق.

يبدو إذن أنّ الحلّ يظلّ داخلياّ، وطنيّا بحتا إذ لا بدّ لكلّ مجتمع أن يتعافى من هذا المرض الذي ينخره من الداخل ويفتّت بنيانه التضامنيّ. فالصدام والجدران "الواقية" والأسلاك الشائكة لا يمكن أن تودي  بهذه المجتمعات إلاّ إلى التفتّت والاضمحلال على الأمد البعيد إذا  لم تكن هناك سياسات حكيمة تحسن إدارة الهجرة وتوظّفها لصالح النسيج الاقتصادي والاجتماعي في البلد المستضيف وفي ذات الوقت لصالح المهاجرين والبلدان الوافدين منها حتىّ يكون الازدهار مشتركا  وشاملا في عصر العولمة هذا.

أُضيفت في: 25 فبراير (شباط) 2019 الموافق 19 جمادى آخر 1440
منذ: 4 شهور, 20 أيام, 13 ساعات, 9 دقائق, 27 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

109761
  • مو صلاح .. أمل المصريين في الكأس الأفريقية
تورتة ايرادات أفلام عيد الفطر
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟