تصاعد السياسات العدائية لتركيا في 2020

تصاعد السياسات العدائية لتركيا في 2020
2020-01-08 17:50:30

رصدت دراسة لمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة مجموعة مؤشرات تؤكد أن تركيا تمضى فى التوسع فى استخدام القوة فى سياستها الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط، فى عام ٢٠٢٠، وهو ما سيوسع من دائرة أعدائها فى المنطقة.
وأكدت الدراسة أن تركيا، اتخذت فى أواخر عام ٢٠١٩، مجموعة من السياسات والإجراءات التصعيدية فى المنطقة، والتى من شأنها عززت من عدائها، فكل السياسات تستند بالأساس إلى توظيف القوة العسكرية لفرض أجندتها الإقليمية.
وجاء على رأسها توقيع اتفاق تعاون عسكرى مع حكومة الوفاق الليبية يسمح لها بنشر قوات وإقامة قواعد عسكرية لها فى ليبيا، وهو الأمر الذى سيؤدى لتأجيج الصراع هناك، ودخول أنقرة فى صدام مع دول الجوار الليبي، وتعزيز أنقرة انتشارها العسكرى فى منطقة شرق المتوسط. وإنشاء قاعدة عسكرية ثانية فى قطر. فضلًا عن اعتزام تركيا المضى قدمًا فى فرض «منطقة آمنة» فى شمال سوريا.
وركزت الدراسة على خمس مؤشرات رئيسية بشأن تصاعد السياسات العدائية لتركيا تجاه المنطقة فى عام ٢٠٢٠:
أولاً: الانخراط العسكرى المباشر فى الصراع الليبي:
فبعد سنوات من الدعم التسليحى التركى للميليشيات الإسلامية الموالية لحكومة الوفاق فى غرب ليبيا، قررت أنقرة الانخراط مباشرة فى الصراع الليبى عبر نشر قوات لها هناك، فقد أعلن الرئيس التركى «أردوغان»، فى ٢٦ ديسمبر ٢٠١٩، أن الحكومة ستحصل على تفويض من البرلمان التركى لإرسال جنود إلى ليبيا، وهو ما حدث بالفعل يوم ٢ يناير الجارى، بناء على مذكرة التفاهم للتعاون الأمنى والعسكرى المبرمة بين البلدين، فى ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩، مؤكدًا أن بلاده ستدعم بكل الوسائل حكومة طرابلس لمقاومة قوات المشير «حفتر».
وبموجب مذكرة التفاهم الموقّعة بين البلدين سيتم إنشاء «قوة الاستجابة السريعة» بداخل أجهزة الأمن والجيش فى ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادى والمعدات من قبل تركيا، كما نصت المذكرة صراحة على تقديم تركيا كافة أشكال الدعم العسكرى للقوات الموالية لحكومة الوفاق، بالإضافة إلى إقامة تركيا قواعد عسكرية فى ليبيا بناءً على طلب من حكومة الوفاق.
وبالإضافة إلى ما سبق، تسعى تركيا لتشكيل جبهة إقليمية داعمة لها فى ليبيا، مكونة من تونس وقطر والجزائر، وهو ما ظهر فى زيارة «أردوغان» إلى تونس، فى ٢٥ ديسمبر ٢٠١٩، وبحثه مع نظيره التونسى «قيس سعيد»، التعاون لتقديم الدعم لحكومة الوفاق، ودعوته لضرورة مشاركة كل من تونس وقطر والجزائر فى حل النزاع فى ليبيا. وفى اليوم التالي، أعلن وزير الداخلية فى حكومة الوفاق الليبية «فتحى باشاغا»، أن «تركيا وتونس والجزائر ستكون فى حلف واحد لدعم الاستقرار الأمنى لليبيا». وهو ما نفته الرئاسة التونسية، بتأكيدها أن «تونس لن تكون عضوًا فى أى تحالف أو اصطفاف على الإطلاق».

ثانيا: استنساخ النموذج السورى فى ليبيا:
تسعى تركيا لتكرار أسلوب تعاطيها مع الأزمة السورية فى ليبيا، وذلك عبر مسارين: المسار الأول: فتح قنوات اتصال مع روسيا بخصوص الأزمة الليبية، للتوصل إلى تفاهمات معها هناك على غرار ما حدث فى سوريا، حيث تدعم روسيا الجيش الوطنى الليبى بقيادة المشير «حفتر»، فى حين تدعم تركيا حكومة الوفاق الليبية. ولتحقيق هذا الهدف أرسلت أنقرة وفدًا إلى موسكو برئاسة نائب وزير الخارجية «سيدات أونال»، فى ٢٣ ديسمبر ٢٠١٩، ضم نائبى وزيرى الخارجية والدفاع، بالإضافة إلى ممثلى المخابرات والجيش، لإجراء مباحثات حول الأزمة الليبية، مع الجانب الروسى برئاسة نائب وزير الخارجية «ميخائيل بوغدانوف»، وممثلين عن وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية.
المسار الثاني: نقل أنقرة مقاتلى الجماعات السورية الموالين لها إلى ليبيا، حيث ذكرت وكالة «بلومبيرج» الأمريكية، فى ٢٧ ديسمبر ٢٠١٩، نقلًا عن مسئولين أتراك وليبيين، أن الفصائل السورية التركمانية فى شمال سوريا ستلتحق قريبًا بقوات حكومة الوفاق الليبية فى طرابلس، لمواجهة قوات المشير «خليفة حفتر». وأكد المرصد السورى لحقوق الإنسان أن أنقرة جندت ودربت بالفعل ٥٠٠ من المقاتلين التركمان، وتواصل تجنيد مقاتلين آخرين من مختلف الفصائل السورية، استعدادًا لنشرهم فى ليبيا.
وبناء على ما سبق، فإن تركيا ستكون ممرًّا للمقاتلين والجماعات المتطرفة والأسلحة إلى ليبيا لقتال قوات المشير «حفتر»، كما كانت الحدود السورية التركية لسنوات تحت دعاوى دعم الثورة السورية وقتال قوات نظام «الأسد»، وهو ما سيحول ليبيا ومنطقة شمال أفريقيا لبؤرة جديدة للمتطرفين والمرتزقة من مختلف الجنسيات، وما يحمله ذلك من تداعيات خطرة لأمن دول شمال ووسط أفريقيا.
ثالثا: الصدام مع دول شرق المتوسط:
تصاعد النزاع بين تركيا ودول منطقة الشرق المتوسط، عقب إبرام أنقرة مع حكومة الوفاق الليبية مذكرة تفاهم لتحديد مناطق الصلاحية البحرية فى البحر المتوسط، فى ٢٧ نوفمبر ٢٠١٩، والتى جعلت البلدين جارين فى الحدود البحرية. وقالت أنقرة إنها بهذا الاتفاق أحبطت ما وصفته بمحاولات حشرها فى الزاوية فيما يتعلق بشرق البحر المتوسط، وحذرت من أنها ستمنع عمليات التنقيب بدون موافقتها فى هذه المناطق. وهو ما رفضته اليونان وقبرص ومصر، التى اعتبرت فى بيان مشترك، أن توقيع مذكرة التفاهم هذه إجراء لا يوجد له أى أثر قانوني.
وفى تصعيد من جانبها، نشرت تركيا أول طائرة مسيرة مسلحة من طراز «بيرقدار - TB٢» فى مطار «غجيت قلعة» بجمهورية قبرص الشمالية، الموالية لتركيا، فى ١٢ ديسمبر ٢٠١٩، وذلك بعد أن وافقت حكومة شمال قبرص، على تخصيص المطار من أجل أنشطة الطائرات المسيرة من قبل تركيا. وقال نائب الرئيس التركى «فؤاد أوقطاي»، إن الطائرات المسيرة التركية التى وصلت إلى شمال قبرص ستحمى مصالح الأخيرة ومصالح أنقرة فى شرق المتوسط، حسب وصفه. ويضاف لما سبق، القوات التى تعتزم أنقرة نشرها فى ليبيا.
رابعا: فرض منطقة آمنة فى سوريا: رغم شن تركيا ثالث عملياتها العسكرية فى سوريا، فى ٩ أكتوبر ٢٠١٩، تحت اسم «نبع السلام»، بهدف إقامة «منطقة آمنة» فى شمال شرق سوريا، تمتد لمسافة ٤٨٠ كم من غرب نهر الفرات إلى الحدود العراقية فى الشرق وبعمق ٣٢ كم، خالية من مقاتلى «وحدات حماية الشعب» الكردية، التى تصنفها تركيا منظمة إرهابية، يعاد توطين ما لا يقل عن مليون لاجئ سورى فيها؛ إلا أن تركيا لم تتمكن - حتى الآن - من إنشائها، وذلك لصعوبات تتعلق بعدم قدرة أنقرة على تحمل مسئولية تأمين هذه المنطقة الشاسعة وحدها، بالإضافة لارتفاع التكلفة الاقتصادية لإنشاء البنية الأساسية اللازمة لإعادة توطين اللاجئين، وهو ما جعل تركيا تدعو بعض الدول الأوروبية خاصة تلك التى تعانى من مشكلة اللاجئين لتقديم الدعم لها فى هذا الأمر، وهو ما لم تستجب له القوى الأوروبية حتى الآن.

يضاف لما سبق، عدم إتمام المقاتلين الأكراد انسحابهم بشكل كامل من المنطقة الآمنة وفق الاتفاقين اللذين أبرمتهما تركيا مع الولايات المتحدة وروسيا، كل على حدة، فى ١٧ و٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ على التوالي، حيث نص الاتفاق الأمريكى على وقف أنقرة عمليتها العسكرية مقابل انسحاب القوات الكردية مسافة ٣٢ كم من الحدود التركية، وإقامة منطقة آمنة تتولى حمايتها القوات التركية. فيما نص الاتفاق الروسى على منح تركيا السيطرة على مدينتى «تل أبيض» و«رأس العين» بعمق ٣٢ كم، والمساعدة فى انسحاب المقاتلين الأكراد. الأمر الذى دفع الرئيس التركى «أردوغان»، فى ١٦ ديسمبر ٢٠١٩، لاتهام موسكو وواشنطن بعدم الالتزام بوعودهما حيال إخراج مقاتلى وحدات حماية الشعب الكردية من الشمال السوري. مضيفًا أن «تركيا ستتدبر أمرها بنفسها لإبعاد خطر هذه التنظيمات عن حدودها»، وهو ما قد يفتح الباب أمام شن أنقرة عملية عسكرية جديدة فى شمال سوريا.
خامسا: التوسع فى إقامة قواعد عسكرية:
أنشأت أنقرة قاعدة عسكرية ثانية لها فى قطر باسم «خالد بن الوليد»، بالقرب من القاعدة التركية القديمة «طارق بن زياد». وافتتح وزيرا الدفاع التركى «خلوصى أكار»، والقطرى «خالد العطية»، مقر قيادة القوات المشتركة التركية القطرية فى قاعدة «خالد بن الوليد»، فى ١٤ ديسمبر ٢٠١٩. ومن شأن هذه القاعدة الجديدة أن تعزز من التواجد العسكرى التركى فى المنطقة، من نحو ٥٠٠٠ جندى تركى متواجدين حاليًّا فى الدوحة إلى ١٦ ألف جندي، حيث إن تركيا قد تستخدم تواجدها العسكرى فى قطر كورقة ضغط وتهديد ضد بعض القوى المعارضة لسياسات تركيا فى المنطقة. وتعتزم تركيا إقامة قواعد عسكرية لها فى ليبيا، مستندة لمذكرة التفاهم للتعاون الأمنى والعسكرى الموقعة مع حكومة الوفاق. وتشير تقديرات إلى أن تركيا ستنشر قوات برية وبحرية، وتقيم قواعد عسكرية فى مدن مصراتة وزليتن والخمس المطلة على البحر المتوسط، الأمر الذى سيؤسس لوجود عسكرى تركى طويل الأمد على الأراضى الليبية، ومن ثم فى منطقة شمال أفريقيا. يضاف لما سبق، التواجد العسكرى التركى فى كل من شمال سوريا وشمال العراق، والقاعدة العسكرية التركية فى العاصمة الصومالية مقديشو.
ختامًا، يرتبط توسع تركيا فى استخدام القوة الصلبة فى سياستها تجاه منطقة الشرق الأوسط فى عام ٢٠٢٠، وما يستتبعه ذلك من الدخول فى مزيد من الصدامات والعداءات مع دول المنطقة؛ بصورة رئيسية برغبة أنقرة فى توظيف قوتها العسكرية لبسط هيمنتها على المنطقة، بعد أن فشلت سياستها القائمة على دعم جماعات الإسلام السياسى ومساعدتها فى الوصول للحكم فى دول الاحتجاجات العربية.
يضاف لما سبق، رغبة «أردوغان» فى الهروب من أزماته الداخلية وتصديرها للخارج، خاصة بعد تفاقمها فى الأشهر الأخيرة. فبجانب تدهور الأوضاع الاقتصادية فى البلاد، شهد حزب العدالة والتنمية الذى يتزعمه «أردوغان» انشقاقات كبيرة، كان آخرها تأسيس رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق «أحمد داود أوغلو»، فى ١٣ ديسمبر ٢٠١٩، حزبًا جديدًا باسم «المستقبل»، كحزب معارض لنظام «أردوغان» الذى وصفه أوغلو بـ«نظام عبادة الشخص»، فيما يعتزم أيضًا نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير الاقتصاد الأسبق «على باباجان»، تأسيس حزب آخر.

أُضيفت في: 8 يناير (كانون الثاني) 2020 الموافق 12 جمادى أول 1441
منذ: 1 شهر, 18 أيام, 11 دقائق, 48 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

117711
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
  • تفاصيل خطة الداخلية لتأمين احتفالات أعياد الميلاد
  • سيناريوهات الأزمة الليبية في 2020
حصاد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي خلال 2019 خناقات المشاهير مع متابعيهم على السوشيال عرض مستمر 8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد ”كبار العلماء والجامع الأزهر” فى 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019 البرنامج الشامل لإدارة المخلفات البلدية بالمحافظات خطط وبرامج عمل وزارة الثقافة في 2020
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟