”ختان البنات”.. صرخة ألم!

”ختان البنات”.. صرخة ألم!
فاتن فرادي
2020-02-12 23:01:04

الأسبوع الماضي، كنت في مطار عاصمة أوروبيّة أتصفّح بعض المقالات على هاتفي الجوّال في انتظار أن يحين وقت ركوبي الطائرة للعودة إلى بلدي, تونس، بلد كانت توصف وربّما لازالت توصف بالتقدّم والانفتاح "النسبيّ" مقارنة بباقي البلدان العربيّة وكما يقول المثل التونسي " عمشاء في دار العاميان"- مع احترامي لكل من يحمل أيّ نوع من الإعاقة فلكلّ واحد فينا قدراته وإعاقاته إن كانت جسديّة أو نفسيّة- وإذا بي ألمح عنوان خبر أليم في بلد عربيّ عزيز على قلبي، مصر. فتاة مصريّة عمرها 12 سنة تموت إثر عمليّة تشويه عضوها التناسلي وأفضّل استعمال هذه العبارة لأنّ عبارة ختان الإناث قد تذكّر البعض بختان الذكور المقبول في مخيّلة مجتمعاتنا العربيّة. أجل، هذه الفتاة الصغيرة البريئة التي لم تعش من دنياها شيئا فقدت الحياة لسبب تافه ووحشيّ في ذات الوقت لا يمكن أن يقبل العقل الإنسانيّ أن تموت به أيّ فتاة في العالم.

شعرت بأنّ دمي يغلي في شراييني وأنّني أريد أن أصرخ بأعلى صوت وباسم كلّ امرأة يضطهد جسدها !"اتركوا جسدي، هو ملكي، لا يحقّ لأحد أن يضطهده أو يؤذيه، أنا إنسانة حرّة في ذاتها  والجسد جزء منها...." وأن أبكي لا لأنّي ضعيفة ولكن لأخفّف من ألم القهر التي شعرت به المرأة التي بداخلي، المرأة التي تعيش
في سجن مجتمع عربيّ ذكوريّ وتظلّ سجينته حتّى عندما تهرب منه وتسافر بعيدا عنه.

فأنا الآن أكتب لكي لا أصرخ، لا أكتب مقالا عاديّا وإنّما نصّا صارخا.

هذه الظاهرة الوحشيّة تمارس في حوالي 30 بلدا من إفريقيا والشرق الأوسط وبعض بلدان شرق آسيا وفق ما أكّدته اليونسكو. ويمنع القانون الدوليّ هذه الممارسات مثلما ورد ذلك على سبيل المثال في اتفاقيّة القضاء
على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
. أمّا في مصر فقد تمّ تنقيح قانون العقوبات سنة 2008 بإدراج مادّة تجرّم ممارسة ختان الأنثى وتعتبر مقدّمي الخدمات الصحّيّة الذين يقومون بذلك مخالفين للقانون. وقد تمّ تشديد العقاب سنة 2016 إذ أصبحت عقوبة السجن من 5 إلى 7 سنوات بدلا على ما كانت عليه من 3 أشهر إلى عامين  أو غرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تتجاوز 5 آلاف جنيه. وبالرغم من صرامة النص القانون وسعي المجتمع المدني والسلطات المسؤولة إلى مزيد التوعية في هذا الخصوص فإنّ تشويه الأعضاء التناسليّة للإناث مازال ممارسا في بعض الأوساط القرويّة رغم انخفاضه النسبيّ.

قرأت سابقا عن  تشويه العضو التناسليّ للمرأة وعمّا يقطع منه ولكنّي أردت أن أعمّق معرفتي فاكتشفت أنّ هناك 3 أنواع من التشويه: الأوّل يكون بقطع البظر( الجزء الظاهر منه) أو جزء منه

أمّا الثاني فيتمّ بقطع البظر( الجزء الظاهر منه) أو جزء منه مع الشفرين الصغيرين و/أو الشفرين الكبيرين والنوع الثالث يتمّ بقطع الشفار وإعادة إخاطتها وبذك يتمّ تضييق الفتحة المهبليّة ولا يترك للأنثى إلاّ منفذا صغير للإخراج البوليّ. يال الفظاعة! أيعقل أن نواصل الكلام عن ظاهرة لا إنسانيّة كهذه وألاّ نكون قد قضينا عليها
في القرن الواحد والعشرين؟!

فلما ذلك ؟ للحفاظ على "عفّة المرأة" وكما نقول بالتونسي" أنا عفت هالعفّة" أي لم أعد أطيقها بل أتقزّز منها. ومن المصطلحات التي تبدو حقّا وهي في معانيها الاجتماعيّة المتداولة باطل بالنسبة لي، العفّة والشرف والعرض. تستعمل فقط عند الحديث عن المرأة فليس للرجل لا شرف ولا عرض ولا عفّة وله الحقّ في أن يمضي في الحياة و"يصول ويجول فيها" كما نقول في تونس دون أن يكترث بصورته أمام المجتمع ولا بسمعته فليس له سمعة....


وهذا طبعا لا يصدمني، فمن شكّل البناء الاجتماعيّ لجسد المرأة؟ أليس هو الرجل؟؟؟
وأليست السيطرة على جسدها وسيلة لترويضها اجتماعيّا كي لا تنافسه في أيّ مجال كان؟
في هذه "الحرب" من أجل السيطرة أليست كلّ الأسلحة جائزة حتى تشويه الأعضاء التناسليّة باسم الحفاظ
على الشرف وتفادي الخيانة الزوجيّة المحتملة والحدّ من الرغبة الجنسيّة للمرأة؟ كي للرجل فيما بعد أن يتجرّأ ويطالب بالإشباع الجنسيّ؟ فكيف له ذلك في مجتمعات ذكوريّة تدمّر إحدى ركيزتي العلاقة الجنسيّة
وهي المرأة؟؟

إنّ مجتمعاتنا تصنع نساء وظيفتهنّ تتمثّل في إشباع رغبات الرجال ولا تهمّهم رغباتهنّ. بل في بعض المجتمعات كما يحصل ب"ختان البنات" يستأصل منهم مصدر النشوة. ولا أقصد هنا فقط النشوة الجنسيّة الجسديّة فحسب لأنّ أشكال النشوة متنوّعة ولعلّ أهمّها تلك النفسيّة. فكيف لامرأة مشوّهة تحمل معها آلاما قديمة متجدّدة مع كلّ علاقة جنسيّة أو حمل، أن تتصالح مع جسدها وذاتها ومع مجتمعها ومع شريكها الجنسيّ وهو الرجل وهو ذاته من ألغى وجودها ككائن بشريّ حرّ يساويه في كلّ الحقوق ومن بينها تلك المتعلّقة بالجسد.
أظنّ أنّني أسمع أصواتا تنعتني بالنسويّة و المومس  والمهووسة بالجنس. وأنا لست كذلك البتّة وإن كان لي الحقّ في أن أكون ما أشاء ما دام الجسد جسدي. أنا أدافع فقط عن مبدأ المساواة بين المرأة والرجل لأنّهما كائنان بشريّان متساويان طبيعيّا على اختلافهما وليس للرجل أن يتمتّع هو بكلّ الحقوق ومن بينها الجنسيّة وأن يتحكّم في جسد المرأة كأنّه ملك له وكأنّها شيئ لا تحرّكه روح ولا إرادة ولا ذات.

أرجعتني هذه الأفكار إلى سنّ الثامنة عشرة عندما كتبت إلى مجلّة Réalités  التونسيّة وكنت من قارئاتها الوفيّات، مطالبة في مقالي بالمساواة في الحرّيّة الجنسيّة بين المرأة والرجل. طلبت من المجلّة أن تنشر مقالي كما تفعل عادة مع مقالات يكتتبها القرّاء.  وكنت أظنّها ستنشره لأنّي كنت أعتبرها مجلّة تقدّميّة وجريئة ، ربّما كانت كذلك ولكنّ جرأتها وقفت عند جسد المرأة وشهواتها أو ربّما جرأتي قد تجاوزت جرأتها والمقبول في مجتمعنا التونسيّ آنذاك و أظنّ حتّى الآن. لم ينشر مقالي ولم أحصل حتّى على ردّ.

أعتقد أنّ ندى تلك الفتاة المصريّة التي ماتت مؤخّرا على يد طبيب وعائلة ومجتمع آثمين ومجرمين أو بيمنات من أثيوبيا أو فايث من سيارليون أو غيرها من الفتيات اللواتي تعشن في بلدان مازالت هذه الممارسة الفظيعة متواصلة فيها لسن هنّ" فقط ضحايا تشويه الأعضاء التناسليّة فكلّنا في هذه المناطق من العالم وأخصّ بالذكر المجتمعات العربيّة الذكوريّة مشوّهات جنسيّا بالمعنى النفسيّ للكلمة ، قد انتزعت أبظارنا جميعا جسديّا فعليّا
 أو نفسيّا.

 أليس السكوت عن الموجود وطمسه استئصال؟ أليس التابوه سكّين حادّ تقطع به الأبظار؟ هذا إن كنّا نعلم بوجودها فعلا ونعرفها؟ أليس الشرف والعفّة والعرض بمعانيها الجنسيّة الذكوريّة تعبيرا عن مجتمعات منافقة ومضطهدة للنساء؟؟؟


وللحديث بقيّة......

أُضيفت في: 12 فبراير (شباط) 2020 الموافق 17 جمادى آخر 1441
منذ: 6 أيام, 7 ساعات, 7 دقائق, 7 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية ختان البنات صرخة ألم

التعليقات

119164
  • تفاصيل خطة الداخلية لتأمين احتفالات أعياد الميلاد
  • سيناريوهات الأزمة الليبية في 2020
حصاد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي خلال 2019 خناقات المشاهير مع متابعيهم على السوشيال عرض مستمر 8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد ”كبار العلماء والجامع الأزهر” فى 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019 البرنامج الشامل لإدارة المخلفات البلدية بالمحافظات خطط وبرامج عمل وزارة الثقافة في 2020
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟