”دار عزل” سعاد كفافي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. تحية لـ”خالد الطوخي”

”دار عزل” سعاد كفافي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. تحية لـ”خالد الطوخي”
الكاتب الصحفي علاء طه
2020-06-06 18:15:27

"ضجيج بلا طحين"، هذه المقولة الشعبية الرائجة، أفضل وصف لتصرفات أغلب رجال الأعمال والنخبة المالية في مصر خلال أزمة جائحة كورونا، فبكل براجماتية أخذوا ينظرون لما يحدث كمتفرجين، يشاهدون الرئيس والحكومة وأجهزة الدولة لا تنام من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لتجاوز الأزمة، دون أن يمدوا يد العون، وبكل إنتهازية حاولوا استغلال دعم الدولة للقطاعات المتضررة من الجائحة من أجل إلتهام الكعكعة أو الحصول علي التسهيلات، أولئك هم أثرياء الأوبئة والحروب والأزمات الذي يرددون شعار رأس المال لا وطن لهم، ومثلهم مثل الفئران التي تقفز مع الأوائل عندما تهدد مركب الوطن الأنواء والأخطار، لكن والحق يقال هناك قلة يستحقون لقب "الأبطال والشرفاء"، ما إن وقعت الواقعة كانوا في طليعة الداعمين للرئيس والدولة والشعب، مرددين أن المركب واحد، والمصير مشترك، وأن اللقمة الحلال تطعم الجميع، وأن ما جنوه من ثروات تحت أمر الوطن لأنه تحقق علي أرض هذا الوطن، وخالد الطوخي، رئيس مجلس أمناء جامعة مصر للتكنولوجيا علي رأس هذه القلة، التي آثرت أن تقدم في صمت كل دعم للبلد في ظل هذه الأزمة التي تهدد الوطن وتهدد العالم.

من اللحظات الأولي لجائحة كورونا والإجراءات الإحترازية للدولة بحظر التجوال وايقاف المدارس والجامعات وغلق دور العبادة وتعليق الطيران، صرخ غالبية رجال الأعمال وطالبوا الدولة بالدعم والتسهيلات الإئتمانية كأنهم أطفال مدللون واستجابت الدولة لبعض مطالبهم، رغم أن الواقع يقول أنهم نالوا خلال السنوات الماضية كل الدعم في الأراضي التي حصلوا عليها لبناء مشاريعهم واستثماراتهم من مدارس وجامعات وفنادق ومصانع وشركات، ونالوا كل المساندة في أسعار تفضيلية بخدمات الكهرباء والطاقة والمياه، وبتخفيضات وتيسيرات في الضرائب، فقد كان شعار الدولة مساندة المستثمرين الوطنيين لبناء مصر الجديدة في عهد الرئيس السيسي. وعندما ضربت جائحة كورونا مصر مثل باقي دول العالم، توقعنا أن يردوا الجميل في صمت بدعم الدولة ومساندة الشعب بكل ما أمكن وتيسر، لكنهم فضلوا دور الفرجة والمشاهدة مثل جماهير كرة القدم، ورغم أن الدولة المصرية لم تتخذ إجراءات استثنائية مثل التي فعلتها دول كبري تجاه المصانع والشركات الكبري أو المستشفيات الخاصة، كما في أمريكا علي سبيل المثال، بل دعمت كل القطاعات المتضررة وقدمت تسهيلات إئتمانية ومالية كبيرة للجميع، وبدلًا من أن يصمتوا طالبوا بالمزيد، وعندك مثلًا ما فعله أصحاب المستشفيات الخاصة من تهديدات ووعيد بسبب علاج كورونا مؤخرًا.

"خالد الطوخي " في المقابل من الذين رسموا لنا أمل في الرأسمالية الوطنية أثناء جائحة كورونا، قالوا لنا أن المال والثروة بلا وطن لا يساويان شئ، وأن من يأخذ لابد أن يعطي بسخاء، والأهم أنهم علمونا أن الوقوف إلي جوار الوطن في الأزمة ليس "تبرعًا خيريًا" ليس حفنة مال تضعها في يد المحتاج، ولا ملابس ولا أدوية تعطيها لغلبان، وإنما هو مسئولية إجتماعية وواجب وشرف تقدم بلا استعراضات وبلا شو إعلاميي.

سيغضب خالد الطوخي مما أكتب لأنه من عائلة عريقة طيلة تاريخها تعطي علميًا وإجتماعيًا وانسانيًا بلا إنتظار للمقابل والإشادة، ولطالما قال لي أرجوك لا تكتب أنني تبرعت لكذا وكذا، او أفعل كذا وكذا، ويري ان هذا واجب وشرف لا ينبغي الكتابة عنه، لكنني فضلت إغضابه لأن المصلحة العامة تقتضي هذا في وقت يخرج لنا فيه رجال الأعمال لسانهم ويكتفون بتغريدات علي تويتر، وآخرون يحرقون دمنا بأفعالهم مثل أصحاب المستشفيات الخاصة الذين هددوا وتوعدوا بالإنسحاب من معالجة كوررنا بسبب تسعيرات وزيرة الصحة للخدمة العلاجية.

ليغضب خالد الطوخي وأتباعه لكنه حق الشعب وحق الدولة في أن يعرفوا من معهم ومن عليهم في هذه الشدة، وليكن هذا كششف حساب في الشدة نستفيد منه جميعًا في الرخاء، فبكل نبل وطنية، في الوقت الذي يهدد أصحاب المستشفيات الخاصة بالإنسحاب من معالجة المصابين بكورونا، وفي صمت شجي بدأ خالد الطوخي بمباردة عظيمة تتمثل في إنشاء وتجهيز "دار للعزل" بمستشفي سعاد كفافي الجامعي التابع لجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا في 6 اكتوبر، لاستقبال المرضى من المصابين بفيروس كورونا لتلقى العلاج والرعاية الصحية حسب البروتوكول المعتمد من وزارة الصحة، وهو البروتوكول الذى وضعته منظمة الصحة العالمية لعلاج هذا الفيروس القاتل.

الأمر بالنسبة لي بمقدار ما حمل فرحة وسعادة أثار مخاوفي فتكلفة أمر كهذا يحتاج إلي ملايين من الجنيهات ولوقت طويل، الأمر يحتاج لمعجزة، اتصلت علي الفور بالمهندس محمود عونى مدير عام قطاع تنفيذ المشروعات بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، جاءني صوته مرهقًا لكنه سعيدًا، وقال لي إن تصميم المبنى تم فى مدة لم تتجاوز 24 ساعة فقط بحيث سيتم التنفيذ بإعادة هيكلة ورفع كفاءة مبنى "دار الضيافة" ليتحول الى مستشفى للعزل الصحى، وهو المشروع الذى يقام على مساحة تبلغ خمسة أفدنة  ومن المقرر أن يضم "دار العزل" و "المستشفى الميدانى" والعديد من المساحات الخضراء ويضم المبنى خمسة أدوار بمساحة 7 آلاف متر ويستوعب 190 سريراً.

وأضاف "عوني" لي، نظراً لأهمية الوقت فى هذه الظروف التى يعيشها المجتمع فقد تقرر أن تستمر الاعمال على مدار 24 ساعة وذلك من خلال تشغيل ما يقرب من 300 حرفى و20 مهندس ومشرف ومدير مشروع ومدير مشروعات وذلك لضمان سرعة الأعمال وإنجازها فى مدة لن تزيد عن الشهر المقرر للانتهاء من المشروع بالكامل، حيث من المقرر أن يفتتحه الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم العالى والبحث العلمى الذى ابدى ترحيباً كبيراً بهذه المبادرة من جانب جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

لم أصدق ما يقوله، فطلبت منه بفضول الصحفي لقائه من أجل مشاهدة ما يحدث علي أرض الواقع، ولم تمر ساعات حتي كنت في قلب الحدث، حيث العمل مثل خلية نحل لإنجاز دار العزل التي ستخدم المصابين بالسادس من أكتوبر والمحافظات القريبة من القاهرة والجيزة وبني سويف والفيوم.

بكل صدق أقول ما يقوم به الطوخي ملحمة وطنية، تستحق التقدير، وجعلتني أعيد حساباتي في النظر لرجال الأعمال، فالطوخي الذي لا يرد علي هاتفه إلا نادرًا، والذي يكره الظهور في وسائل الإعلام، يعطينا الأمل في رأسمالية وطنية تعرف ما لها وما عليها، تفرق بين التبرع والتطوع والمسئولية الإجتماعية التي تعبر عن النضج النفسي للفرد ؛ لأن الفرد الناضج نفسياً هو الذي يتحمل المسؤولية، ويكون لديه استعداد للقيام بنصيبه كفرد في تحقيق مصلحة المجتمع ويشعر أنه مدين له.

كان السؤال الدائم لي دومًا: لماذا لم يصل بعد مستوى المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال في مصر ما وصلت إليه في الدول الكبرى. فبرغم الإكثار من النقاش عن دور رجال الأعمال في التنمية وخاصة بعد تقلص دور الدولة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العقود الأخيرة من القرن الماضي، إلا أن هذا الدور مازال في طوره الأول دون تطور فعال.

وكنت أري أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى قصور دور رجال الأعمال في التنمية، من أهمها: عدم وجود ثقافة المسئولية الاجتماعية لدى معظم رجال الأعمال، فمن الملاحظ أن عدد الشركات المتبنية هذه الثقافة يمثلون قلة من الشركات الكبرى في حين أن الغالبية يجهلون تماما هذا المفهوم. وايضا أن معظم جهود رجال الأعمال غير منظمة، فالمسئولية الاجتماعية لمنظمات رجال الأعمال كي تكون مؤثرة في حاجة إلى أن تأخذ شكل تنظيمي ومؤسسي له خطة وأهداف محددة، بدلا من أن تكون جهودا عشوائية مبعثرة، وكذلك غياب ثقافة العطاء للتنمية حيث أن معظم جهود رجال الأعمال تنحصر في أعمال خيرية غير تنموية مرتبطة بإطعام فقراء أو توفير ملابس أو خدمات لهم دون التطرق إلى مشروعات تنموية تغير المستوى المعيشي للفقراء بشكل جذري و مستدام، ولكنني الأن بسبب هذه المبادرة النبيلة وصلت لقناعة أن التنشأة لرجل الأعمال أهم من كل ذلك، وأم من أكل علي "طبلية ابوه" مختلف تمامًا.. وراء خالد الطوخي والآخرون من القلة الوطنية تربية أسرية، شبع من معاني الخير والبر والتقوي والمسئولية.

وهنا الدولة عليها أن تضع كشف حساب أزمة كورونا وما بعدها بالقانون والقواعد والإلتزام، فهناك فارق بين من آمن بالوطن ووقف إلي جواره في الشدة، وهناك فارق بين من تبرم وصرخ مثل الأطفال طمعًا فيي مزيد من المكاسب، وهنا الشعب مطالب بمعرفة من معه ومن عليه..  كورونا "محنة" عانينا منها جميعًا لكنها "منحة" أظهرت لنا العدو من الصديق، الوطني من الإنتهازي، فتحية لـ"خالد الطوخي".

أُضيفت في: 6 يونيو (حزيران) 2020 الموافق 14 شوال 1441
منذ: 1 شهر, 29 أيام, 12 ساعات, 50 دقائق, 33 ثانية
0
الرابط الدائم
موضوعات متعلقة

التعليقات

123710
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟