قضيّة آمنة الشرقي، حرّيّة التعبير والثنائيّات

قضيّة آمنة الشرقي، حرّيّة التعبير والثنائيّات
فاتن فرادي
2020-07-27 14:28:44

اهتزّت مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي لخبر الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائيّة بتونس  ضدّ المدوّنة التونسيّة آمنة الشرقي، والقاضي بسجنها ستة أشهر وبغرامة قدرها 2000 دينار وذلك بتهمة “النيل من المقدّسات والدعوة إلى الكراهية بين الأديان والأجناس....” بسبب إعادة نشر نصّ ساخر على صفحتها على الفايسبوك بعنوان “سورة كورونا" وفيه حديث عن فيروس “كوفيد-19” وكيفيّة التوقّي منه وهو يحاكي في شكله السور القرآنية.

 

عند سماع هذا الخبر، تبادرت إلى ذهني العديد من التساؤلات، وأوّلها :هل من تبرير قانوني لهذا الحكم؟
 أيّ سند قانونيّ تمّ اعتماده لإصدار حكم بهذه الصرامة فيه سلب لحريّة المحكوم عليها؟

ثمّ كيف يمكن لنا أن نغيّر العقليّات حتّى لا تصدر مثل هذه الأحكام القامعة لحرّيّة التعبير؟

كيف هي الثنائيّة بين القانون والثقافة؟ بين القانون والأخلاق؟


 

وتمّ الاستناد إلى الفصلين 52 و53 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرّخ في 02/11/2011 والمتعلّق بحرّيّة الصحافة والطباعة والنشر.

 

ينصّ الفصل 52 على فرض عقوبة بالسجن أقصاها 3 سنوات وغرامة من 1000 إلى 2000 دينار تونسي لكلّ من "يدعو مباشرة ......إلى الكراهية بين الأجناس أو الأديان أو السكّان وذلك بالتحريض على التمييز واستعمال  الوسائل العدائية أو العنف أو نشر أفكار قائمة على التمييز العنصري. "

 

وبموجب الفصل 53 يعاقب بغرامة من ألف إلى ألفي دينار" من يتعمّد النيل من إحدى الشعائر الدينيّة المرخّص فيها"

 

فإذا ماتمعّنّا في هذين الفصلين فإنّنا نلاحظ فورا أنّه ليس هناك أيّ أساس قانوني للتهمة التي وجّهت إلى المدوّنة آمنة الشرقي.

 

أين تكمن الدعوة إلى الكراهيّة بين الأديان والأجناس؟؟؟ في إعادة نشر نصّ لا يدعوالبتّة إلى الكراهيّة وإنّما إلى أخذ بعض التدابير الوقائيّة مثل غسل اليدين ؟؟ أوليس التعمّد عنصرا ضروريّا في هذه الجريمة؟؟
لم تقم المدونّة إلاّ بإعادة نشر نصّ ساخر يحاكي شكل السور القرآنيّة يصف فيروس الكورونا ويقدّم بعض النصائح بطريقة ساخرة . قد يبدو ذلك لذوي "الإحساس الديني الرقيق" أو من يعتبر نفسه خالد ابن الوليد، مهينا للديانة الإسلاميّة وجارحا له وقد أتفهّم ذلك ولكن لا يمكن في أيّ من الأحوال أن يعتبر جرما يعاقب عليه.

أين دولة القانون؟؟ أين تونس الديموقراطيّة، تونس ما بعد 14 جانفي 2011 ؟؟ماذا عمّا جاء في الفصل 6 من الدستور وهو أعلى نصّ في الهرم القانونيّ للبلاد من أنّ الدولة تكفل حرّيّة المعتقد والضمير وتلتزم بنشر قيم الاعتدال والتسامح وما ذا عن الفصل31 الذي يضمن حرّية الرأي والفكر والتعبير والإعلام والنشر؟

 

وماذا عمّا ورد في المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه من قبل تونس التي تنصّ على أنّ " لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة"و أنّ"لكل إنسان حق في حرية التعبير"

وكيف يمكن  أن تدان آمنة الشرقي بجرم لم تقترفه؟ لم يتوفّر لا الركن الماديّ له ولا المعنويّ!

ألا تستوجب الدعوة إلى الكراهيّة بين الأديان والأجناس القصد الجنائيّ؟ وأين يتمظهر تعمّد النيل من إحدى الشعائر الدينيّة المرخّص فيها؟


تبدو لي الإدانة والحكم خاليين من كلّ منطق قانونيّ وهو ما يفزعني ويدفعني إلى دقّ ناقوس الخطر على ديمقراطيّتنا في تونس الجديدة وعلى حقوق مواطنيها ومواطناتها˛ أوليس القضاء هو الضامن لهذه الحقوق؟؟؟ فهل القضاء في تونس مستقلّ؟؟ هل القضاء في ظلّ حكم الإخوان مستقلّ؟؟؟؟

 

وإن أطلقنا العنان لتفكيرنا، فقد تتبادر إلى الذهن بعض الثنائيّات ولعلّ من أهمّها القانون والأخلاق. فالقواعد الأخلاقيّة توصي بسلوك معيّن وهي غير موضوعيّة ( (subjective وتختلف باختلاف الأشخاص والمجتمعات."لا تتضمّن صاحبا للحقّ أو موضوعا للحقّ" وهي غير ملزمة للجميع إلاّ إذا تحوّلت من المجال الأخلاقيّ إلى المجال القانونيّ، فحينها تصبح ملزمة بصفتها القانونيّة لا الأخلاقيّة وتستند إلى قوّة السلطة العامّة التي تفرض احترامها. إنّ تماهي الأخلاق والقانون مسألة حسّاسة لأنّ مفهوم الأخلاق مرن وقد يؤدّي الإفراط في تحويل عدد من القواعد الأخلاقيّة إلى قواعد قانونيّة إلى كبت الحرّيّات وطغيان فكر محافظ واحد يهضم الحقّ في الاختلاف.

 

وعودة إلى قضيّة آمنة الشرقي، فيبدو أنّ الأمر لا يتعدّى الميدان الأخلاقي التي تختلف فيه الآراء والمقاربات، فكما لا يزعجني أن تعيد نشر "سورة الكورونا" الساخرة أو حتّى إن كانت هي من صاغها ونشرها وذلك ما لم يقع، فغيري ينتفض غاضبا، شاتما لمجرّد رؤية تلك الصياغة المحاكية في الظاهر لشكل السور القرآنيّة. وفي هذه الحالة ليس على المحتجّ(ة) إلّا التعبير عن رأيه(ها) فالدستور التونسيّ والقوانين تضمن له(ها) ذلك.ومن الذكاء أن يناصر كلّ منّا حرّيّة التعبير للجميع حتّى وإن استفاد منها غريمه الفكريّ أيضا فإن لم نفعل ذلك فسيصيبنا ما أصاب القسّ  مارتن نيمولا ومايمثّل حقيقة صالحة لكلّ زمان ومكان بغض النظر عن الأمثلة التي ذكرها. إنّ الخيط بين الحرّيّة وانعدامها رقيق جدّا.

" عندما جاء النازيّون أوّلا لأخذ الشيوعيّين،
 لم أتكلّم لأنّني لم أكن شيوعيا

ثم جاؤوا لأخذ النقابيّين،
و لم أتكلّم لأنّني لم أكن نقابيّا

ثم جاؤوا لأخذ اليهود،
و لم أتكلّم لأنّني لم أكن يهوديّا

ثم جاؤوا لأخذي أنا
ولكن لم يبق هناك أحد ليدافع عنّي"

 

وليس للنيابة العموميّة وللقضاء أن يتدخّلا، بل كان عليهما بالأحرى أن يهتمّا بملاحقة من يهدّد المدوّنة بالاغتصاب والقتل ويكفّرها وهذا ما يعاقب عليه القانون فعلا.هذا العنف والتطرّف هما من يهدّدان التعايش والسلم الاجتماعيّين.

 

الثنائيّة الأخرى التي تفرض نفسها عندما تصدر مثل هذه الأحكام القضائيّة هي ثنائيّة القانون والثقافة، الثقافة بمعنى الثقافة الاجتماعيّة أي العقليّة. وليس هذا المنبر المناسب للإطناب في التحليل الفلسفيّ والاجتماعيّ لمعنى الثقافة ولكنّي لا يمكن أن أمنع نفسي من التساؤل عن قدرة القانون على تغيير ثقافة مجتمع ما.
من المعلوم أنّ القانون يتكامل مع الثقافة وقد تعدّدت النظريّات حول العلاقة التي تجمع بينهما، وقد تطرّق إليها نيكولا تيماشيف. منها ما يؤكّد أنّ "القانون يحدّد العناصر الاجتماعيّة والثقافيّة الأخرى ويتحدّد عن طريقها ومعنى ذلك أنّه يمكن للقانون أن يقوم بدور إيجابيّ أوسلبيّ طبقا لموقعه من العوامل الأخرى"
إذن القانون يتأثّر بالعوامل الثقافيّة الأخرى التي تحكم المجتمع ولكنّه في ذات الوقت قادر على التأثير فيها. فالتأثير متبادل ويخضع لميزان قوى.من المفروض إذا في تونس أن تؤثر القواعد المنضوية ضمن نظامنا القانوني بما في ذلك الدستور والمواثيق الدوليّة المصادق عليها والضامنة لحريّة التعبير والمعتقد  في العقليّة السائدة في مجتمعنا وتساهم في مزيد انفتاحها على الاختلاف وفي ترسيخ روح التسامح فيها.
ولكن ما نشهده حاليّا ليس تأثيرا للقانون على الثقافة الاجتماعيّة وإنّما تأثيرها هي على تطبيقه ،فإن كان الوضع الأوّل مندرجا ضمن السيروة الاجتماعيّة ،فإنّ تأثير قوى اجتماعيّة على تطبيق القانون قد يؤدّي إلى نتائج تنافي الديموقراطيّة. فبين تطبيق القانون وما يتضمّنه من حماية للحرّيّات وما يواجهه من تصلّب عقليّة شموليّة ومتغطرسة ، من الأقوى؟ بين قواعد قانونيّة تعترف بحرّيّة التعبير والصحافة والنشر في ظلّ نظام من المفروض أنّه ديموقراطيّ وقد سالت دماء شهداء كي تعلو رايته وبين فكر ظلاميّ يتلحّف بسجّادة ويسبّح بصوت عال ويغزو أذهانا كثيرة باسم الدفاع عن الإسلام، من الأقوى؟
هل يحتاج اللّه عزّ وجلّ خالق هذا الكون،القويّ، المتين، الجبّار، المهيمن، القهّار، الرحيم،الحليم، الغفور، الحكم إلى من يساعده على حماية الإسلام؟ وهل قمع الحرّيّات ودحر الاختلاف هو الحلّ لنصرة هذا الدين؟
لا بدّ أن يكون تطبيق القانون وروحه في إطار الديمقرطيّة واحترام حرّيّة التعبير والضمير هو الأقوى في مجتمعنا كي نمضي به قدما نحو الرقيّ والتطوّر وتظلّ تونس منارة في عالمنا العربيّ، وميناء سلام لكلّ مواطنيها ومواطناته على اختلاف آرائهم ومعتقدتاهم.

 

وكما تمّ تحرير الكلمة في الميدان السياسيّ، لا بدّ أن نحرّرها في كلّ الميادين الأخرى ولا سيّما الدينيّ منها. لكلّ مواطن(ة) حقّ التعبير مادام ليس في خطابه حثّ على الكراهيّة والعنف، وحقّ اعتناق الديانة التي يختارها أو عدم اعتناق أيّ دين.

 

متى ستفهم مجتمعاتنا العربيّة ذلك وتكفّ عن قمع مواطنيها حتّى أنّها بدلا من أن تسيطر على أفكارهم كما تشتهي،غرست فيهم كره الوطن والدين....

 

وبعيدا عن التحاليل الفلسفيّة والقانونيّة تظلّ عديد الجمعيات المدنية التونسية والدولية التي ندّدت بالحكم الابتدائي و كذلك أنصار الحرّيّة ودولة القانون في انتظار ما سيصدر عن محكمة الاستئناف .


.فالأمل شمس لا تنطفئ.......

 

أُضيفت في: 27 يوليو (تموز) 2020 الموافق 6 ذو الحجة 1441
منذ: 13 أيام, 13 ساعات, 19 دقائق, 34 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية آمنة الشرقي الحكم تونس

التعليقات

124904
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟