مسلمة تتساءل.....

 مسلمة تتساءل.....
2020-11-08 12:42:07

 

الحيرة......

لطالما دافعت عن ديننا دون أن أكون قد تعمّقت في دراسته، فقد ورثته كغيري من التونسيّين والتونسيّات وارتضيته دينا بعد فترات من الشكّ والتفكير في سنّ المراهقة.
و خارج بلادي، لم أتوقّف عن الدفاع عنه وعن المسلمين والقول أنّ هؤلاء الإرهابيّين لا يمثّلوننا وأنّهم أقلّيّة وأنّ الإسلام دين تسامح وحبّ. نعم هي أقلّيّة ونحمد الله على ذلك ولكنّها أقلّيّة مدمّرة للإنسانيّة وليس فقط للعرب والمسلمين ولصورتهم. ألم تخرج هذه الأقلّيّة من رحم شعوب أغلبيّتها  لم تقترف أيّ فعل إرهابيّ ولكن بتصلّبها وجهلها ورفضها لحرّيّة التعبير وحرّيّة الضمير، تساهم بطريقة غير مباشرة في تكوّن تلك الأقلّيّة الإرهابيّة المجرمة التي تنتقل من الفكر إلى الفعل العنيف.

أليس الفكر السائد حاضنة ينمو فيها الفكر الإرهابيّ؟ فلنأخذ مثال ما حصل مؤخّرا في فرنسا وما دفعني اليوم إلى الكتابة: إعادة نشر صحيفة شارلي إبدو لرسوم كاريكاتوريّة لرسول الله محمّد وهي التي قد تعرّضت إلى هجوم إرهابيّ سنة 2016 وقتل  عدد من صحفيّيها. أدّى النشر إلى ردود فعل عنيفة
 من طرف مسلمين داخل فرنسا وخارجها وإن كان الكثير منهم لم يطّلعوا حتّى على الرسوم.
 رفعوا راية الإسلام وندّدوا بما سمّوه إهانة الرسول الذي أخالهم قد ألّهوه، فلم يعد نبيّا وخاتم الأنبياء بل يبدو وكأنّهم نصّبوه إلاها دون أن يشعروا بذلك.
عادة ما أتجنّب الكتابة عن مثل هذه المواضيع لأنّها حسّاسة فعلا وتؤجّج مشاعر الكثيرين، وقد تبدو نبيلة ولكنّ هذه المشاعر والتمظهرات هي في الواقع، سلبيّة ومدمّرة : الحقد، الانغلاق، الدكتاتوريّة الفكريّة (لا أقصد بها نظام الحكم وإنّما الفكر الاجتماعي)، عقد الدونيّة  مقارنة بالغرب خاصّة أوعقدة التفوّق بتعلّة الانتماء إلى الديانة الإسلاميّة.

شعرت برغبة ملحّة للكتابة لا كي أحلّل أسباب موجات العنف الممنهج التي تضرب بلداننا والإرهاب الذي يستهدف مجتمعاتنا ، فهي متعدّدة ومتشعّبة ولا تقتصرعلى الجانب الاجتماعي أو الديني وإنّما لها أسباب سياسيّة وجيوسياسيّة أيضا.
ولكنّي أكتب بصفتي مواطنة عربيّة ومسلمة، عربيّة بحكم ولادتي ونشأتي في بلاد ناطقة بالعربيّة ومسلمة ، أشهد ألّا إلاه إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله.
أتساءل حول ما إذا كان من السهل التلاعب بالدين الإسلاميّ وبالإيمان به لتحويل أشخاص يؤمنون بالله ورسوله إلى آلات لقتل غيرهم من البشر الأبرياء؟ هل أنّ إيمان عدد من المسلمين "ضعيف" وإن ظنّوه قويّا لدرجة أنّهم يثورون ساخطين لمجّرد رسوم كاركاتوريّة  رسمت عن الرسول محمّد وتصريح رئيس دولة غير عربيّة وعلمانيّة بأنّ بلاده ستواصل الدفاع عن حرّيّة التعبير وعن الحقّ في الرسم الكاريكاتوري؟
هل الخلل يكمن في عدد من المسلمين كما أقول دائما مدافعة عن ديني أم أنّ في دين الإسلام بذورا للانغلاق ورفض الاختلاف قد تؤدّي في ظروف معيّنة وبتظافر عناصر ما إلى العنف؟
الشكّ الذي كنت أطرده خلال كلّ هذه السنوات وأدفنه في ركن مظلم بداخلي بات يلتهمني من الداخل إثر قتل أستاذ التاريخ، سموال باتي الذي لم يقترف أيّ ذنب إلّا تربية أجيال على الفكر النقديّ وحريّة التعبير. الإسلام بالنسبة لي، دين تسامح ومحبّة ولكنّه بالنسبة لآخرين ولا أخصّ بذلك الإرهابيّين بل مواطنين في العالم العربي والإسلاميّ، أولئك الذين يتعصّبون لوجهات نظرهم، يعبّرون عنها بوسائل مختلفة ومن ضمنها شبكات التواصل الاجتماعي ويغذّون فكرا إقصائيّا ، رافضا لحرّيّة التعبير وحرّيّة الضمير وهو الفكر الذي يتبنّاه إرهابيّون ومجرمون جفّت قلوبهم من الرحمة والإنسانيّة كذاك الذي ذبح الأستاذ الفرنسي وذلك الذي ذبح أناسا كانوا يعبدون الله في سلام في كاتدرائيّة نيس، الله ذلك الإله نفسه الذي يتكلّم باسمه أصحاب الأفكار الظلاميّة ومنفذو العمليّات الإرهابيّة وعديدون في مجتمعاتنا العربيّة والمسلمة....

أحتاج أن أتكلّم وأعبّر عن حيرتي وعن غربتي في هذا العالم العربيّ لأنّ الاختلاف في مجتمعاتنا جريمة شنعاء، فالفكر فيها يعدّ أحيانا أخطر من الكفر في بيئة تغلغل فيها الفكر الأوحادي.
ولم تغيّر ذلك "الثورات" التي تمّت مؤخّرا هذا الفكر. هي بالأحرى تغييرات سياسيّة لا ترتقي إلى مفهوم الثورة، فإن لم تطل الفكر، العقليّة فكيف لها أن تكون ثورة..... لا بل قد فتحت الباب على مصراعيه أحيانا مثلما هو الحال في تونس، إلى قوى الإسلام السياسي التي تجمّلت بماكياج الديموقراطيّة وأمسكت بعنان الحكم...

"الإسلام" يمرّ بأزمة؟

قال الرئيس الفرنسي إمانوال مكرون مؤخّرا أنّ الإسلام يمرّ بأزمة....
غضب البعض لهذا الإقرار ....لماذا كما يقول المثل التونسيّ "نغطّي عين الشمس بالغربال"؟؟
نعم، من وجهة نظري، ما سمّاه هو الإسلام أو بالأحرى المسألة الدينيّة أو الفكر الديني في المجتمعات المسلمة يعاني من أزمة. فما العمل؟ وهل من بذور لهذه الأزمة في ديننا؟ أو في موروثنا؟ أو في ثقافتنا؟
أظنّ أنّه من الحكمة أن نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة لنجد الحلول بدلا من النفي الدائم والتنزيه الذي نقوم به وإلقاء اللوم على الآخرين فحسب دون القيام بالنقد الذاتي.
لا يمكنني الإجابة بعمق وعن دراية على هذه التساؤلات ولكن ما أنا متأكّدة منه من خلال تجربتي هو أنّ هناك خللا في ثقافتنا الإسلاميّة وأعني بالثقافة، العقليّة السائدة.
فما آلمني في الأيّام القليلة الماضية ليست فقط الهجمات الإرهابيّة الوحشيّة وإنّما أنّ الفكر الشمولي والمنغلق المنتشر في مجتمعاتنا يسلبني ويسلب غيري الحقّ في التعبير وفي الاختلاف أيضا.
فهو يؤمن بامتلاك الحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقاش.

فما الحلّ؟ لست أطمح إلى اقتراح حلول لظاهرة الإرهاب كما سبق وذكرت ولكن أحاول التفكير في حلول للقضاء على الفكر الشمولي الطاغي في مجتمعاتنا والذي يتدخّل في كافة تفاصيل حياتنا وتصرّفاتنا وقناعاتنا الشخصيّة وبموجبه يتمّ تكفير صاحب الرأي الآخر.
ألدينا قادة وعلماء يدعون إلى التسامح وقبول الآخر ويوحّدون الصفوف في توجّه الانفتاح ونبذ التعصّب والعنف؟ نعم لدينا ولكنّ هذه الأصوات المستنيرة كثيرا ما يتمّ إسكاتها واضطهادها وحتّى تكفيرها، أمّا الإرهابيّون ومن بينهم داعش فلا يجوز تكفيرهم؟؟؟ فعن أيّ "إسلام" نتكلّم وعن كم "إسلام" نتكلّم؟

 

 


العلمانية حلّ؟

في هذا التشرذم وهذا التعصّب السائد، تبدو لي العلمانيّة ملاذا آمنا لشعوبنا ولكنّه صعب التحقيق حاليّا إذ يجب أن تتوفّر عناصر ثلاثة من وجهة نظري وهي، إرادة العلمنة (الإرادة السياسيّة)، تحوّل الفكر العلماني إلى العقليّة السائدة وبناء نموذج علماني يتناسب مع خصوصيّة الشعوب.
العلمانيّة ليست كفرا أو إشراكا بالله أو دعوة إلى "الانحلال الأخلاقي" وعدم احترام القواعد الاجتماعيّ
هي بالعكس في نظري، مفتاح للتعايش السلمي والمبني على احترام القواعد التي تؤسّس له وأهمّها، احترام الحرّيّات الفرديّة. ولا يمكن أن تحترم إذا كانت الدولة " دولة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في المعنى البوليسي للعبارة.

 الدولة العلمانيّة هي دولة المواطنين والمواطنات الحقيقيّة، دولتهم جميعا دون تمييز. ومن يتّهم العلمانيّة والعلمانيّين بالكفر والانحلال فهو يعاديها بشراسة دون أن يعرف جوهرها. أمّا من يحاول تبنّي خطاب متوازن فقد يعتمد على نظريّة النسبيّة ويقول أنّ العلمانيّة قد لا تكون مناسبة لمجتمعات متجانسة دينيّا.

ورغم الاعتدال الظاهر لهذا الموقف، فهو يبدو لي أكثر خطورة من ذلك الذي يعادي بصراحة وشراسة العلمانيّة في عالمنا العربيّ. فلا يمكن التسليم بأنّ مجتمعاتنا أو عددا منها متجانس دينيّا  لأنّه لا بدّ من ضمان حقّ الاختلاف، فقد تكون الأغلبيّة مسلمة بالوراثة ولكن هناك أقلّيّات ملحدة وأخرى قد غيّرت دينها أو قد تقوم بذلك. لا بدّ من ترك باب الحرّيّة مفتوحا وباب تدخّل الدولة في الضمائر موصدا بإحكام.
من الضروريّ أن نواصل العمل الحثيث على تهيئة مجتمعاتنا لقبول العلمانيّة ويكون ذلك أوّلا بتوضيح مفهومها إذ أنّ مبدأها الأساسيّ هو ببساطة، الفصل بين الدولة والدين ثمّ بالتأسيس لنموذج العلمانيّة المناسب.

ولكن إلى حدّ الآن لا أرى بلادا عربيّة علمانيّة فعلا. وكم سمعت أنّ تونس علمانيّة وكم روّج لهذا الصورة في فترة ما قبل الثورة. ولكنّها للأسف، لم تكن قطّ علمانيّة، فكيف لدولة يعلن الفصل الأوّل
 من دستورها أنّ "الإسلام دينها" أن تكون علمانيّة. وكيف لدولة تمثّل الشريعة إحدى مصادر تشريعاتها -وأحمد الله أنّها ليست المصدر الوحيد أو الغالب- أن تكون علمانيّة؟

فلنفكّر بجدّيّة في معنى العلمانيّة ومزاياها لنؤسّس لدول حرّة ، ديموقراطيّة و"إدماجيّة".

نعم، أنا أحلم....أعلم ذلك حقّ المعرفة.....

أُضيفت في: 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 الموافق 22 ربيع أول 1442
منذ: 26 أيام, 12 ساعات, 29 دقائق, 38 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

125133
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟