كهوف إسبانيا

كهوف إسبانيا
سمير عطاالله
2017-01-06 16:12:51

*نقلاً عن صحيفة «الشرق الأوسط»
جال الكاتب البريطانى، نورمان لويس، فى إسبانيا عام ١٩٣٤٤، مرة على قدميه، ومرة على عربة تجرها خيل أو بغال، ومرة نادرة، فى قطار نادر. فلا طرقات ولا سكك حديدية تربط المدن. لا شىء يربطها، تقريباً، سوى الفقر والعصر الحجرى. وفى الطريق إلى إشبيلية، مقصده النهائى، كان يرى فى كل قرية يمر بها، أناساً يسكنون فى الكهوف، ثم المزيد من الكهوف، ثم الكثير منها.

مع أننا نقرأ عن ١٩٣٤، فلم أكن أصدق ما أقرأ. فى الفترة نفسها، كانت ألمانيا تشق عباب الصناعة الحديثة. وكانت بريطانيا تدارى بناءها الإمبراطورى. ولكن هذا لا يهمنى شخصياً إلا كمقياس، يهمنى أين كانت مصر؟ مصر كانت قد بنت أول دار للأوبرا منتصف القرن الأسبق، احتفالاً بأهم ما بنت فى عصورها الحديثة، قناة السويس. ومصر فى الثلاثينيات كانت تقوم فيها الحكومات وتسقط. وكان عضو مجلس الشيوخ، طلعت حرب، يؤسس بنك مصر، وشركة مصر للطيران، وشركات النفط، والمناجم، والتأمين، والقطن. وكانت إسبانيا مليئة بسكان الكهوف، مثل سكان المقابر فى مصر اليوم. واقتصاد إسبانيا اليوم حجمه ١.٦٦٠ تريليون دولار. ومعدل دخل الفرد فيها أكثر من ٣٠ ألف دولار. ودخل إليها فى الأشهر السبعة الماضية ٢٨ مليون سائح. ولا تجربوا الحجوزات للأشهر التالية.

وقبل أيام أعلنت الكويت أنها رفعت الحظر عن استيراد الفراولة المزروعة فى مصر.

وهذا مفجع لمصر وليس للكويت، لأنه لو استطاعت الكويت لاستوردت كل شىء من مصر حتى النفط، لكنها كدولة عليها أن تحمى مواطنيها قبل أن تحمى أصدقاءها. ويقال كلام من نوع أن مصر تتعرض لمؤامرة فى سياحتها وطيرانها وزراعتها وعملتها. وإذا كان صحيحاً، يجب أن تفضح مصر المؤامرة لكى نتساعد جميعاً فى دحرها، لكن هناك ما هو أسوأ من المؤامرة، عدم الاعتراف بالخطأ، وعدم إعلان التعبئة من أجل النهوض بمصر، وعدم الشعور بأى مسؤولية حين نرى ترتيب مصر فى أى جدول تنموى، أو تعليمى، من الجداول الرسمية الدولية.

بأى حق يجوز أن نتمنى اليوم العودة إلى زمن طلعت حرب، الذى مضى عليه ٧٥ عاماً؟ لكن لكى لا نجرح كبرياء المصريين، ولنقارن فقط بالمصريين. وماذا يبلغ حجم الآثار فى إسبانيا لكى يأتيها ٤٨ مليون سائح فى العام؟ دفعت مصر ثمن التجارب مثلما يدفعها أى فرد وأى دولة. تنام اشتراكية وتفيق «منفتحة» وتتمتع بقيلولة رأسمالية، ثم تلقى كل ذلك، وتبدأ من جديد. لماذا؟ لأن مصر لا تستعين بأفضل من لديها من المصريين. وأحياناً أقول فى نفسى، يكفى أن تقرأ الدولة عقلاء مصر، وليست فى حاجة إلى خبراء دوليين.

المصريون - وليست مصر - فى حاجة إلى وقفة مع أنفسهم ومع تاريخهم ومع حضاراتهم الكبرى. الدولة ليست كل شىء. وهى عاجزة لأنها خائفة من الناس ومن ردود فعلهم. وخائفة من بعض الإعلام الذى يتولاه هجّانة فاقعون ومعدومو الشعور بالمسؤولية الإنسانية والوطنية. والحل فى أن نقرأ عقلاء مصر، جيداً.

أُضيفت في: 6 يناير (كانون الثاني) 2017 الموافق 7 ربيع آخر 1438
منذ: 3 شهور, 24 أيام, 2 ساعات, 27 دقائق, 56 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

72845
تويتر
  • http://www.algornalgy.com/t~59304
  • المصريون يعودون للعلاج بالأعشاب بدلا من الأدوية بفعل الغلاء
  • زيارة خاصة لمتحف الفن الإسلامي بعد عودة الروح له
  • مذبحة بورسعيد.. ذكرى الفرار من الجحيم
أحد الآلام والإرهاب على مصر
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟