الغلابة يا ريس !!

الغلابة يا ريس !!
الدكتور محمد سيد احمد
2017-05-23 12:48:14

 الغلابة فى أى مجتمع هم الميزان الذى يمكن أن نحكم به على كفاءة النظام السياسي الحاكم, فما يوفره نظام الحكم من فرص متجددة لهم عبر سياساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية هى المعيار الحقيقي لنجاحه أو فشله, فلابد لأى نظام حكم أن يكون منحازا بالدرجة الأولى لهؤلاء الذين يحتاجون لمن يمد لهم يد العون لمواصلة رحلة البقاء على قيد الحياة ليس أكثر وهم الشرائح والفئات والطبقات الاجتماعية التى لا تستطيع توفير حد أدنى من الحياة الكريمة بمفردها.
فالغلابة داخل أى مجتمع هم الهم الأكبر للحكام وصانعي القرار فإذا نجح الحاكم فى مساعدة هؤلاء لتحسين مستوى معيشتهم ونقلهم من حد الكفاف وما دونه الى حد الكفاية والستر يكون الحاكم قد نجح فى مهمته الأساسية, وإن لم يتمكن من تحسين أوضاع الغلابة وازدادت معاناتهم وعوذهم فى ظل حكمه يكون بذلك قد فشل فى المهمة الأساسية التى جاء من أجلها الى كرسي الحكم.
 لذلك لا عجب عندما نراجع تاريخنا الحديث والمعاصر فتبرز فى المشهد صورة الزعيم جمال عبد الناصر الذى قام بثورة 23 يوليو 1952 وكان المجتمع المصري قبلها يشهد حالة من الاستقطاب الاجتماعى الحاد, فالغالبية العظمى من المصريين كانوا يقعون فى خانة الغلابة الذين يصفهم علم الاقتصاد الآن بمن يعيشون تحت خط الفقر, ويصفهم علم الاجتماع بمن يقعون ضمن الشرائح والفئات والطبقات الاجتماعية الدنيا, وكانت المهمة الأساسية لنظام الحكم الذى قاده جمال عبد الناصر كيف يخرج هؤلاء الغلابة من المعاناة اليومية لتوفير احتياجاتهم الضرورية من أجل الحياة.
فكانت جملة السياسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المنحازة لهؤلاء والتى تمكنت من تحقيق حد أدنى من الحياة الكريمة لهم, فتغيرت الخريطة الطبقية للمجتمع المصرى بشكل كبير فى أقل من عقدين من الزمان, حيث ظهرت الشرائح والفئات والطبقات الاجتماعية الوسطى من المستورين على الساحة المجتمعية المصرية وتراجعت نسبة الغلابة بشكل ملحوظ, بفعل انحياز الحاكم للغلابة قولا وفعلا عبر سياساته التى قلمت أظافر الاقطاع والرأسمالية التى نهبت لسنوات طويلة قوت الشعب وحولت غالبيته لفقراء وكادحين.
 وجاء الرئيس السادات لينقلب على هذه السياسات المنحازة للغلابة, وأعطى اهتمامه للشرائح والفئات والطبقات العليا داخل المجتمع, وخلال فترة حكمه اختلت الخريطة الطبقية للمجتمع المصرى من جديد وبدأت مكتسبات المستورين تتآكل ويهبطون مرة أخرى لخانة الغلابة الذين لا يستطيعون توفير احتياجاتهم الضرورية للحياة, فكانت هبات الغلابة فى وجهه فى يناير 1977 وهى ما عرفت بانتفاضة الخبز, ورفض هو تسميتها بمسماها الحقيقي وأطلق عليها مصطلح انتفاضة الحرامية, ولعله من العجيب حقا أن يصف حاكم غالبية شعبه بالحرامية حين يخرجون عليه مطالبين بحقهم فى الحياة.
 ورحل السادات وحل محله مبارك تلميذه الوفى, وخلال ثلاثة عقود كاملة كانت سياساته منحازة للأغنياء على حساب الفقراء, ما نتج عنه سقوط الغالبية العظمى من فئة المستورين التى تعرف بالطبقة الوسطى الى فئة الغلابة التى تعرف بالطبقة الدنيا, وهو ما أدى فى نهاية حكمه أن خرج هؤلاء الغلابة يطالبونه بالرحيل, ويرفعون شعار العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
ومنذ 25 يناير 20111 وحتى الآن يحلم الغلابة فى بر مصر بتحسين أحوال معيشتهم التى لم يعد هناك إمكانية لاحتمالها, ومرت البلاد منذ رحيل مبارك بعدة بدائل للحكم كان أولها حكم المجلس العسكرى, ثم حكم جماعة الإخوان المسلمين, ثم حكم عدلى منصور, وعبر هذه البدائل تدهورت أحوال الغلابة فى بر مصر أكثر فأكثر, وتعرضت أحوال المستورين الى هزات كبيرة ألحقت عدد كبير منهم بالغلابة الغير قادرين على مواجهة أعباء الحياة اليومية.
 وخرج الغلابة يرفعون صور قائدهم التاريخى جمال عبد الناصر, وكان قد برز فى المشهد قائد الجيش عبد الفتاح السيسي فرفعوا صورته بجوار صورة جمال عبد الناصر فى مشهد دراماتيكى ورمزى يعنى أنك البديل الحلم, وقد كان الرجل عند مستوى المسئولية ومنذ اللحظة الأولى أعلن للغلابة أنه معهم ولن يتخلى عنهم وسيحقق لهم أحلامهم فى العيش بكرامة داخل مجتمعهم, ومنذ توليه السلطة وحتى اليوم وقد أوشكت ولايته الأولى أن تنتهى وهو يعد الغلابة لكن الواقع يقول عكس ما يعد به.
 فخلال السنوات الثلاثة الأخيرة شهدت أحوال المصريين المعيشية ما لم تشهده فى طول وعرض حكم ( السادات – مبارك – المجلس العسكرى – الإخوان المسلمين – عدلى منصور ) من تدهور شعرت به كل شرائح وفئات وطبقات المجتمع دون استثناء فإذا كان فى الماضى فئة المستورين من الطبقة الوسطى هى من تشعر بالمعاناة وتهبط لتنضم لفئة الغلابة, فالآن بعض أبناء الطبقة العليا من الميسورين أصبحوا يشعرون بالقلق إزاء ارتفاع الأسعار بشكل جنونى بما يفوق قدراتهم, أما فئة الغلابة التى انضم إليها مؤخرا أعداد هائلة فقد أصبحت على وشك الانفجار, خاصة وأن شهر رمضان على الأبواب والأسعار تشتعل بما يفوق قدرات الغلابة على تحملها, وهو ما يجعلنا نطالب بمائدة رحمن بطول وعرض الوطن لاستيعاب الغلابة خلال أيام الشهر الفضيل.
 لذلك يجب على الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يتحرك فورا وقبل فوات الأوان فالغلابة هم ميزان الحكم على نجاحه أو فشله, فبعيدا عن بعض نجاحاته على المستوى الاقليمي والدولى, وبعيدا عن بعض نجاحاته فى مكافحة الإرهاب, وبعيدا عن بناء بعض المشروعات القومية التى يمكن أن تأتى بنتائج على المدى البعيد, لكن تظل تحسين أحوال معيشة الغلابة هى المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل أنظمة الحكم, ولن يتحقق ذلك إلا بمواجهة مباشرة تأجلت كثيرا مع رموز الفساد الذين سرقوا ونهبوا ثروات الوطن, ومازالوا يتاجرون بقوت الغلابة ولا يجدون من يتصدى لهم, لذلك نقول الغلابة يا ريس هم كلمة السر من وقف معهم نجا وخلده التاريخ, ومن وقف أمامهم خسر كل شيئ, اللهم بلغت اللهم فاشهد.

أُضيفت في: 23 مايو (أيار) 2017 الموافق 26 شعبان 1438
منذ: 2 شهور, 25 أيام, 23 ساعات, 52 دقائق, 36 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية الغلابة ريس

التعليقات

85098
تويتر
  • بالصور.. ايلي صعب يشعل عروض الموضة بباريس بأزياء رواية الملوك المتساقطين
  • محمد صلاح يتالق فى ليفربول
أبرز حوادث القطارات في مصر
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟