وتشرق الشمس في نهاية ”على كف عفريت”

وتشرق الشمس في نهاية ”على كف عفريت”
فاتن فرادي
2017-12-07 22:06:10

"على كف عفريت" هو عنوان فيلم المخرجة التونسية لشابة كوثر بن هنية، أنتج في 2َ017، تم اختياره في مهرجان كان السينمائي في صنف "نظرة ما"  وتم عرضه ضمن أيام قرطاج السينمائية 2017 ولا زال العرض متواصلا وإقبال الجمهور في تونس غفيرا.

المخرجة كوثر بن هنية  حصدت العديد من الجوائز في المهرجانات السينمائية كالتانيت الذهبي  لشريطها الوثائقي "زينب لا تحب الثلج" والجائزة الخاصة لفيلمها الروائي "شلاط تونس" في  المهرجان الدولي لفيلم النساء بصلي. والمعروف عنها اهتمامها بالعلاقة القائمة بين الجنسين المرأة والرجل في تناولها الدرامي. ولعل "على كف عفريت" من أبرز تجلياته.

هذا الفيلم مستوحى من قصة حقيقية دارت أحداثها في تونس العاصمة سنة 2012 وشكلت قضية رأي عام في تونس ما بعد الثورة.فقد اغتصب شرطيان شابة قدمت شكوى ضدهما وتم الحكم عليهما ب15 عاما سجنا.

"على كف عفريت" يجعلنا نعيش مع البطلة المأساة التي تعيشها في تلك الليلة  فنغوص معها في أعماق مهاناتها النفسية، يمتزج الفيلم بالواقع فنكاد أن ننسى المتفرجون وأن مريم هي شخصية في فيلم...

اعتمدت المخرجة  على تقنية اللقطة الواحدة (séquence – plan)  وقسمت بذلك  الفيلم إلى 09 مشاهد، كل واحد منها مسترسل وبذلك يتراجع دور المونتاج في هذا الفيلم وهو ما يضفي أكثر واقعية عليه . تعددت ألاماكن المغلقة ولا سيما مركز الشرطة وقل التصوير في الأماكن المفتوحة وهو ما يزيد المشاهد اختناقا في تلك الليلة المشؤومة.

 

لم يتم تمثيل مشهد الاغتصاب في الفيلم فقد رأينا ما قبل الاغتصاب وما بعد الاغتصاب ولعل ماعاشته مريم طيلة تلك الليلة المشؤومة هو الاغتصاب بعينه، اغتصاب لكرامتها ولأنوثتها و لإنسانيتها.
 تعكس الإضاءة في الفيلم عتمة تلك الليلة التي انطفأ خلالها نور الحق والإنصاف ليسود ظلام الغطرسة والذكورية الممزوجة بالاستعمال الظالم للسلطة. خليط يجعل من الوحدة النفسية للبطلة الرئيسية مريم أكثر وقعا. نعم، الوحدة، تلك التي نشعر بها مع مريم من خلال المواقف التي تعيشها ومن كلامها.

"ما تخلينيش وحدي"، جملة ترددت على لسان بطلة الفيلم، بطلة خائفة من أن تجد نفسها وحيدة في مواجهة عناصر الشرطة الذين انتهكوا كرامتها وحرمة جسدها بدلا من حمايتها، قالتها لشرطية حامل بدت متعاطفة نوعا ما معها في البداية ولكنها كشفت عن وجهها الحقيقي قبل أن تغادر مركز الشرطة ونعتتها بالعاهرة وتركتها وحدها.....

قالتها ليوسف، ذلك الشاب الذي  أعجب بها في تلك الليلة  ثم أصبح شاهدا على الفظاعة التي تعرضت إليها وتعرض إلى العنف والإهانة لأنه دافع عن حقها في تقديم شكوى ضد المعتدين عليها ولكنه هو أيضا تركها وحدها لأن أعوان الشرطة اقتادوه بعيدا عنها للتحقيق معه...

قالتها لنجلاء ، تلك الصحفية التي رأتها في المستشفى العمومي و التي سألتها في إحدى المكالمات الهاتفية إن كانت قد أقامت علاقة جنسية مع يوسف...

لعل هذه الصحفية قد ساعدتها فيما بعد لكنها في تلك اللحظة، بسؤالها التافه و المتخلف والذكوري وإن طرحته ربما دون قصد، فإنها قد تركتها وحدها...

وحدها أمام مجتمع ظالم ومتسلط، يدين المرأة دائما ويحكم على مظهرها وجسدهابكل سطحية وذكورية ، مجتمع تهان فيه الضحية ويدافع عن الجاني خاصة إذا كانت الضحية مواطنا أو مواطنة دون سند وكان الجاني صاحب سلطة وإذا كانت الضحية امرأة والجاني رجلا.

تخللت الفيلم مواقف من "الفكاهة السوداء" لعلها تخفف أحيانا من التراجيديا الغالبة أو ربما تعمقها من ناحية أخرى وبطريقة أخرى ، من خلال السخرية. قد تضحك هذه المواقف وقد تؤلم أكثر لأنها سخرية من واقع مرير، يعيش فيه عدد كبير من الشباب في الفقر والحرمان لذلك يوسف يدفع لسائق التاكسي أجرته بإرسال دينارين شحن في هاتفه الجوال إليه .كان قد أرسلهما إليه أحد أقربائه.
ويعيد الشرطي الذي يكتب المحضر عند استنطاق مريم الجمل التي تقولها بطريقة ساخرة  تبين مدى غباء هذه الفئة من أعوان الشرطة. أهذا يضحك أو يبكي ؟

ولا يمكن أن ننسى ما قاله الشرطي الذي حاول بكل الطرق إقناع مريم بإسقاط الشكوى عن الشرطيين ولكنه لم ينجح في ذلك فكان ملاذه الأخير أن يتاجر حتى بحب الوطن وحمايته  للضغط عليه  وكان الموقف ساخرا ومضحكا للبعض إذ قال أن تونس على كف عفريت إبان الثورة وسألها إن كانت تحب تونس ولسان حاله يقول " فإن كنت تحبينها فاسكتي عن حقك المهضوم ولا تقدمي شكوى ضد رجال الأمن الذين بدلا من حمايتك اغتصبوك. "


وإثر ليلة طويلة ومؤلمة عاشتها البطلة الرئيسية  وعاشها المشاهد معها، وتشرق الشمس  في نهاية  "على كف عفريت".

تشرق الشمس لتراها مريم وهي ترتدي"السفساري" ، ذاك الحاف التونسي التي كانت تلبسه النساء التونسيات في الشارع لتخبئ وراءه ملامح جسدها وجماله ولا زال البعض منهن يرتديه، ذلك اللحاف التي جرت العادة أن ترتديه المتهمات مختبئة وراءه والذي لبسته مريم لتغطي نفسها من عيون الذئاب الجائعة التي كانت تحيط بها في مركز الشرطة،
 لكن رمزية السفساري في آخر الفيلم ليس كرمزيته خلاله. فهو سفساري الحرية، سفساري البطولة فمريم قد لفت طرفيه حول عنقها وارتدته كما يفعل الأبطال وهي بالفعل بطلة.


 

أُضيفت في: 7 ديسمبر (كانون الأول) 2017 الموافق 18 ربيع أول 1439
منذ: 10 شهور, 7 أيام, 14 ساعات, 23 دقائق, 40 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

94542
  • التشكيل الكامل للحكومة الأولى في ولاية السيسي الثانية
القائمة الكاملة لأفلام عيد الأضحى 2018
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟