مسكنات… كيف اخترع الإنسان حياة أقل ألماً؟
ربما لم تبدأ الحضارة من رغبة الإنسان في التقدم، بل من جملة قصيرة قالها في داخله ذات ليلة: «هذا يؤلمني».
آلمه البرد، فأشعل النار.
أخافه الظلام، فصنع الضوء.
أتعبته المسافات، فاخترع العجلة.
أرهقه حمل الماء، فمد الأنابيب إلى بيته.
هدده المرض، فراح يفتش في الأعشاب، ثم المختبرات، عن دواء يؤجل الموت ويخفف الوجع.
ومنذ ذلك الحين، لم يتوقف الإنسان عن اختراع المسكنات.
ليست الأقراص التي نبتلعها وحدها مسكنات؛ فالبيت مسكن للعراء، والمال مسكن للحاجة، والسيارة مسكن للمسافة، والهاتف مسكن للانتظار، والمستشفى مسكن للخوف، والقانون مسكن للفوضى، حتى المدن التي تتلألأ ليلاً لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها محاولة بشرية هائلة لطرد الظلمة بعيداً عن النوافذ والقلوب.
كل رفاهية نعيشها اليوم تخفي وراءها وجعاً قديماً لم نعشه؛ فالماء الذي يأتينا بمجرد أن ندير الصنبور يحمل تاريخاً طويلاً من الأكتاف التي انحنت تحت الجرار، والطعام المحفوظ في الثلاجات يقف خلفه زمن كان فيه الجوع ضيفاً ثقيلاً لا يستأذن، والغرفة الدافئة تنسينا أجيالاً كانت تنام وهي ترتجف. نحن لا نرى آلام الذين سبقونا، لكننا نعيش داخل الحلول التي اخترعوها.
لهذا فإن ما نسميه «جودة الحياة» ليس دائماً إضافة المزيد من الأشياء، بل إبعاد المزيد من المعاناة: أن تحتاج إلى ساعة للوصول بدل يوم، وأن تجد علاجاً بدل أن تنتظر المعجزة، وأن تستطيع الاتصال بمن تحب بدل أن تترك رسالتك للطرق والرياح؛ كلها مسافات صنعها الإنسان بينه وبين الألم.
لكن المدهش أن الألم لم يختفِ؛ فكلما أغلقنا في وجهه باباً، دخل من نافذة أخرى. هزمنا ظلام الغرف فظهر ظلام الوحدة، واختصرنا المسافات لكننا لم نضمن وصول القلوب، استطعنا أن نتحدث إلى العالم كله في لحظة، لكن كثيرين منا لم يعودوا يجدون شخصاً واحداً يصغي إليه بصدق. كأن الألم أكثر ذكاءً من اختراعاتنا؛ يغير ملامحه كلما ظننا أننا عرفناه.
كان خوف الإنسان القديم أن يعود إلى كهفه من دون طعام، أما خوف الإنسان الحديث فقد يكون أن يعود إلى بيته وفي داخله فراغ لا يعرف كيف يملؤه؛ كان الأول يخشى الوحوش خلف الأشجار، ونحن نخشى رسالة قد تصل، أو نتيجة فحص، أو مكالمة في ساعة متأخرة، أو صمتاً مفاجئاً من شخص كان يملأ أيامنا بالكلام.
لقد تغيرت أدوات الحياة، لكن القلب بقي هشًّا كما كان. نحب، فنوقع من حيث لا ندري على احتمال الفقد. ننجب، فتولد مع أطفالنا مخاوف لم تكن موجودة قبلهم. ننجح، فنخاف أن نفقد ما وصلنا إليه. لا شيء عزيز يدخل حياتنا وحده؛ يدخل ومعه ظل احتمال رحيله. ولذلك لا يستطيع الإنسان، مهما امتلك، أن يشتري حياة لا تؤلمه.
يمكن للمال أن يوفر علاجاً أفضل، لكنه لا يكتب نهاية الشفاء، يمكنه أن يبني بيتاً شديد الأمان، لكنه لا يمنع الحزن من معرفة العنوان، قد يشتري الإنسان سريراً فاخراً، ولا يشتري نوماً هادئاً، ثم يكتشف أن أكثر أوجاعه عناداً لا تسكن جسده، بل ذاكرته.
وحين عجزنا عن إنهاء الألم، بدأنا نبحث عن طرق كي لا نشعر به؛ نملأ ساعاتنا بالعمل، ونشتري ما لا نحتاجه لنحصل على فرحة سريعة، وننتقل بين الشاشات خوفاً من لحظة صامتة نجلس فيها مع أنفسنا. وهنا يظهر الفرق بين ما يخفف الألم وما يؤجله: ليست كل المسكنات علاجاً، بعضها يهدئ الجرح حتى نستطيع مداواته، وبعضها يخفيه عنا حتى يتسع في الظلام.
الألم، رغم قسوته، ليس دائماً عدواً، أحياناً يكون رسولاً سيئ الأسلوب يحمل خبراً ضرورياً؛ يقول لنا إن علاقة ما تؤذينا، وإن طريقاً نسير فيه لا يشبهنا، وإن جسدنا يحتاج إلى الراحة. فاليد التي لا تشعر بالنار لا تنجو منها، والقلب الذي يتظاهر طويلاً بأنه لا يتألم لا يصبح أقوى؛ قد يصبح فقط أقل قدرة على الإحساس.
وربما لا تكون المسكنات الحقيقية هي التي تنسينا الوجع، بل التي تمنحنا قوة تكفي لحمله دون أن يحطمنا: صديق يجلس بجوارك ولا يمتلك حلاً لكنه لا يتركك وحدك، يد تمسك يدك في ممر مستشفى، دعاء يمنح قلبك موضعاً يضع فيه عجزه، أو أمل صغير يفتح في جدار الحزن نافذة للهواء. قد تكون رائحة بيت قديم، أو صوت شخص نطمئن إليه، أو فنجان قهوة في صباح هادئ أدوية صغيرة لا تباع في الصيدليات.
هذه الأشياء لا تقول إن الألم غير موجود، ولا تعدنا بأنه سيختفي غداً، كل ما تفعله أنها تمنعه من احتلال المشهد كاملاً، وتساعد الإنسان على أن يصبح أكبر من ألمه.
نحن لا نتعافى فقط بمرور الوقت، بل نتعافى بما يحدث خلاله: بكلمة وصلت في لحظة انكسار، وبشخص بقي حين غادر الآخرون، وبحقيقة قبلناها بعد مقاومة طويلة. نتعافى حين لا يعود الألم هو التعريف الوحيد لما حدث لنا.
وربما كان أخطر ما يمكن أن نفعله أن نطالب الحياة بألا تؤلمنا أبداً، فالحياة التي لا تسمح بالألم قد لا تسمح بالمحبة أيضاً. المطلوب ليس تمجيد الوجع، ولا إقناع الموجوع بأن معاناته هدية، بل أن نعترف به ونمنحه مكانه الصحيح جزءاً من الحياة، لا الحياة كلها.
لقد قضى الإنسان تاريخه يبني جداراً بينه وبين ما يؤلمه، اخترع النار والدواء والبيوت، ثم اكتشف أن قلبه يحتاج إلى اختراعات أخرى: الصداقة والإيمان والفن والذكرى والأمل.
وفي النهاية، قد نكتشف أن أعظم المسكنات لم تكن الأشياء التي منعتنا من الشعور، بل تلك التي سمحت لنا أن نشعر… دون أن نغرق. فالحياة لا تقدم لنا وعداً بأنها ستكون بلا ألم، لكنها تترك في طريقنا ما يعيننا عليه: قلباً رحيماً، أو كتفاً صادقاً، أو إيماناً هادئاً يهمس لنا في أشد اللحظات وجعاً:
إن هذا الألم، مهما طال، لن يكون كل الحكاية.








