رمضان كريم...أعاده الله بالخير على جسد المرأة

فاتن فراديفاتن فرادي
2019-05-07 13:40:23
بقلم: فاتن فرادي

 

إنّ شهر رمضان على الأبواب، يهلّل البعض له بالنظر إلى دلالته الدينية أمّا البعض الآخر فيستعدّ لمتعة السهرات بعد الإفطار.

أمّا أنا فأفكّر في عديد الجوانب وأبرزها الانعكاسات الاجتماعيّة لهذا الشهر على الجسد الأنثوي. إذ يمثّل تعلّة لمزيد الضغط على هذا الجسد الذي لا زال مكبوتا في العالم العربي بالرغم من تحرّره من العديد من القيود خاصّة في بعض البلدان كتونس.

فقد تعزّزت مكانة المرأة في هذا البلد حتّى من قبل الاستقلال ويعدّ إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة سنة 1956 من أبرز المحطّات في مسيرة الارتقاء بالمرأة التونسية إلى مرتبة المواطنة المساوية للرجل في الحقوق والواجبات. وقد تضمّنت أحكاما متطورة ألغت بموجبها تعدّد الزوجات وحدّدت سنّ الزواج كما منعت الطلاق التعسفي.

وقد تتالت التعديلات التشريعية في هذا الاتجاه ومن آخرها صدور القانون الأساسي عدد60-2016 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة وهو يدين جميع أشكال العنف الممارس ضدّ المرأة، اللفظي والجسدي والمعنوي أكان ذلك في الإطار العائلي أو خارجه.

فالمجتمع التونسي يبدو من بين المجتمعات الأكثر تقدّما على المستوى التشريعي فيما يهمّ حقوق المرأة.كما أنّه يتمتّع بحيويّة فكريّة في هذا المجال. إذ أنّ المجتمع المدنيّ لا يتوانى عن إثارة المسائل الجدليّة كما أنّ بعض السياسيين يجعلون من المساواة بين المرأة والرجل مطيّة لحملاتهم الانتخابية والمثال على ذلك، الجدل القائم حول المساواة في الإرث بين الجنسين.

لكن بالرغم من كلّ ذلك، يظلّ المجتمع التونسيّ مجتمعا ذكوريّا كباقي المجتمعات العربية ولو اختلفت الدرجات.

وأبرز سلاح للذكوريّة هو السيطرة على جسد الأنثى وأتعمّد قول "أنثى" بدلا من امرأة لأنّها في المنظور الذكوري السائد، جسد مغر ومجرّد وعاء.
يمثّل شهر رمضان فرصة لمزيد السيطرة على ذاك الجسد بتعلّة وجوب تماسك الرجل  وعدم خضوعه للمغريات. فبدل أن يكون واجب الإمساك عن كلّ الشهوات (الأكل والجنس والكلام البذيء والفعل السيّء، إلخ.) مسؤوليّة كلّ شخص أكان امرأة أو رجلا فإنّ هذه المسؤوليّة من حيث الشهوة الجنسيّة تكاد تقع كلّيّا على المرأة.

فويحها إن تجرّأت على التبرّج أو ارتداء ملابس ربّما كانت ترتديها قبل رمضان. إنّها تتحوّل بذلك إلى شيطان يضلّ بسببه الرجال "المساكين" طريق الاستقامة في هذا الشهر المقدّس.
ألا يتحوّل شهر المحبّة والرحمة إلى شهر القمع والنقمة على المرأة؟؟ هذا إذا ما كانت المرأة في مجتمعاتنا العربيّة واعية بذلك وإذا لم تعتبر هذه القيود المسلّطة على جسدها عاديّة، وهنا تكمن المصيبة.

مشاركة المرأة في هذا التآمر ضدّها دون وعي منها خطير. فالعالم العربيّ، يحكمه لا وعي رجاليّ تظلّ فيه المرأة وسيلة للمتعة الجنسيّة للرجل كما تؤكّد ذلك أستاذة التحليل النفسي في جامعة باريس-ديدرو ، الأستاذة حورية عبد الواحد.

وليس ذلك بالغريب على مجتمعات بقيت سجينة تاريخ ذكوريّ يعود إلى قرون ولّت ولكنّ فكرها القمعي لجسد المرأة ظلّ صامدا. كان على النساء في مكّة أن تتحجّبن تماما بينما كان الرجال يتجولّون بلباس خفيف يكاد يغطّي صدورهم وكأنّه ليس للنساء رغبة جنسيّة ، هي بالنسبة إلى هذه المجتمعات "أشياء غير إنسانيّة" كما تسمّيها الأستاذة حورية عبد الواحد. وترى هذه الباحثة أنّ القضاء على هذه الرؤية صعب لأنّ التحليل النفسيّ ليس منتشرا في العالم العربيّ بل يظلّ حكرا على النخب المستنيرة.
وذلك من المؤكّد ، بل إنّ مجتمعاتنا تفتقر عموما إلى النقد الذاتي ولا تغوص في أعماق تاريخها لتكشف عن مواطن القوة والضعف فيه وإنمّا تتبع غير مبصرة فكرا ذكوريّا ظلاميّا سائدا.
فما الحلّ؟ "ثورة فرويديّة" كما ينادي البعض بذلك أو تعليم جنسيّ وثقافة جنسيّة جديدة تعيد قراءة الجسد، جسد المرأة وكذلك جسد الرجل  والعلاقة القائمة بينهما؟؟

المعلوم هو أنّ شهر الصيام في المنظور السائد، ليس شهر هذا النوع من الثورات ولا شهر التفكير النقديّ ولا شهر المساواة بين المرأة والرجل. وأكاد أجزم أنّه ليس بمذنب لأنّ إرادة مجتمعاتنا -ومن ضمنهت المجتمع التونسي الذي يبدو "متحرّرا" - هي الحكم.

110587