إبراهيم سونجو.. وذكريات الرحيل

إبراهيم سونجو.. وذكريات الرحيل
ابراهيم سونجو
2019-02-06 12:42:05

لا تتعدى سنوات العمر بيننا ما يزيد عن أصابع اليد الواحدة، لكن سنوات الحلم والأمل بيننا تتعدى سنون الزمن، جمعتنا سنوات الطفولة، فكنا نجلس في كثير منها تحت شجرة التوت الكبيرة التي تتوسط الغيط، كنا نتبادل الحديث تحت ظل أوراقها و أحلامنا الصغيرة التي كانت تتطاير كريش العصافير، فكان حُلمه أن يكون الحارس الأول لمرمى أشهر الأندية الكروية، وكان حلمي واحداً من أحلام جيلٍ نهشت البلهارسيا من جسده كما نهش العمر والتعب والعمل، ومن أجل تحقيق هذا الحلم، كنا نذهب نشجعه في المباريات المحلية بين قريتنا والقرى الأخرى المجاورة، فكانت تفرح القرية كلها وتدق الطبول لفوز فرقتنا، التي كانت في أعقاب فوزها تصعد فوق سيارة نقلٍ كبيرةٍ تحمل كأس النصر، وكان من بينها صديقي الجميل وحارس مرماها ببشرته السمراء وضحكته البيضاء، فكنا نهتف لهم ونغني، وكانت النساء تطلق الزغاريد.

كانت ليالي مفرحةً، وكان أسوأ مافيها رحيل بعضٍ من أبطال أحلامنا وهم في عمر الزهور، فقد رحل محمد عبد الفتاح، وجمال عبد الوهاب، ومصلح السيد، وفي كل رحيل كانت تسود رائحة موت الشباب شوارع قريتنا، وهي رائحةٌ لا تمحوها الأيام والسنين، وقد تركت قريتي منذ ما يقرب من ثلاثة عقودٍ من الزمان، ولكن برغم ذلك، في كل زيارةٍ لها، وعند مدخل القرية كانت تسترجع ذاكرتي مشهد استقبال جثامين أبطال الطفولة ومصدر الإلهام، خاصةً ابني جيلي "ناصر الجندي" و"خالد السيد" ، فيرسم العقل بالوحدان مشهد عودتي لتُربتها تماماً كمشهد عودتهم لها، بجسدي النحيف داخل الصندوق الخشبي، وأصوات نساء العائلة والقرية تعلوا بالصراخ، فيما يطلب منهم البعض الصمت والدعاء، وتحاول أيادي شبابها كسر زجاج وأبواب سيارة نقل الموتى لتتوقف ويتمكنوا من حمل جسدي على أكتافهم للصلاة عليه بمسجد "سيدي عتمان" الذي تربيت  وترعرعت بين حوائطه ألعب الكرة تارة، وألعب الدبابة تارةً أخرى.

وفي وسط كل هذا الجمع، كنت دائماً منشغلاً بالحزن من أن تشهد ذلك أمي ذلك اليوم وتودعني، فهي لن تتحمل رؤية جثماني محمولاً في طريقه للتراب، آه عليكي يا أمي، فقد استجاب  الله لدعائكي الدائم بأن ترحلي دون أن يذهب منا أحد، وأن يجعل يومكي قبل أيامنا، فماتت وهي في عمر الـ64، وبرغم حزن الفراق الذي لا يوصف ولا يشعر به وبطعم مرارته إلا يتامى الأم من أمثالي، فلا زالت تمر تلك المشاهد بذاكرتي في كل زيارةٍ لقريتي، وكلما حاولت إشغال عقلي بأحداثٍ أخرى، يأتى خبر رحيل أحد شُركاء الحلم الجميل، واليوم تستعيد الذاكرة مشاهدها بفراق الفتى الأسمر إبراهيم سونجو، ذكريات الرحيل.

أُضيفت في: 6 فبراير (شباط) 2019 الموافق 30 جمادى أول 1440
منذ: 4 شهور, 20 أيام, 8 ساعات, 19 دقائق, 32 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

109374
  • مو صلاح .. أمل المصريين في الكأس الأفريقية
تورتة ايرادات أفلام عيد الفطر
آخر تحديثات
مصر تبهر العالممصر تبهر العالم2019-06-22 19:17:50
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟