فلاح أنقذ مصر من الفوضى

فلاح أنقذ مصر من الفوضى
2019-11-21 17:15:09

تاريخيًا.. تبقى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي واحدة من أكثر السنوات ثراءً فيما يتعلق بالأحداث السياسية، الأمر الذي كان له بالغ الأثر في ظهور شخصيات على سطح الأحداث، أصبحت بمرور الأيام ذات ثقل لا يمكن إنكاره أو التغافل عنه، سواء عن عمد أو عن جهل، وتنوعت هذه الشخصيات بين المجالات المختلفة، غير أنها اتفقت على أمر واحد، وهو «الكاريزما» والحضور الطاغي الذي لم يستطع الرحيل -حتى وقتنا الحالى- أن يكتب له شهادة وفاة.

البرلماني الراحل، أحمد يونس، رئيس الاتحاد التعاوني الزراعي الأسبق، واحد من الذين يتصدرون قائمة «الأكثر شهرة سياسيًا»، ويمكن القول هنا إن تناول سيرة «يونس» لا يجب التعامل معها كونه لا يتعدى «نوستالجيا» أو «حنين إلى زمن مضى» أو حتى اجترار للذكريات بالحديث عن مواقف حدثت منذ سنوات، بل يجب التعامل مع «سيرة يونس» كونها محاولة قراءة متعمقة ودقيقة لفهم تجربة نادرة عاشتها مصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تمحورت حول إعلاء شأن الفلاحين في المجتمع كمفتاح الأمن الغذائي في مصر، قبل أن يؤدي تهميشهم في عقود تالية إلى توغل الاستيراد على حساب الإنتاج المحلي.

«يونس» الذي يمكن تصنيفه كبرلماني وقيادة شعبية ناجحة وفلاح مخضرم، امتلك موهبة القيادة والقدرة على التفكير و«التنظير» لصالح الفئة التي مثلها طويلا في الاتحاد الاشتراكي ومجلس الأمة ومجلس الشعب فيما بعد، وتمكن من خلال هذه الميزات والهبات أن يضع الفلاح المصري في منظومة تعاونية عملت لصالح الإنتاج الزراعي، وتحقيق دخل جيد للفلاحين، ساعد على استقرار الأوضاع في الريف المصري لسنوات طويلة، بفضل دور التعاونيات المؤثر في ذلك الوقت.

ولن يكون من باب المبالغة إذا قلنا إن التاريخ ينحاز للفلاحين في أزمة مايو 1971 التي تحولت فيما بعد إلى ثورة تصحيح قادها الرئيس الراحل محمد أنور السادات، لكن الفضل فيها كان للقاعدة الشعبية من الفلاحين الذين وقفوا جوار خليفة «عبد الناصر» ضد القيادات الناصرية التي عُرفت وقتها بـ«مراكز القوى»، وكونوا ظهيرا شعبيا تواجد في شوارع القاهرة لتأييد «السادات» وتثبيت أركان حكمه، في مواجهة ألاعيب ومؤامرات رجال العهد الناصري وقتها، قبل أن تحسم المعركة للدولة الجديدة، ويكون دور الفلاحين في 1971 تمهيدا لقرار الحرب في 6 أكتوبر 1973 بعد أن استقرت الأوضاع في الدولة التي هزها رحيل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970.


وعن تفاصيل أيام وليالي «مايو 1971» يتحدث الدكتور كريم يونس نجل البرلماني الراحل أحمد يونس عن دور والده والفلاحين المؤثر في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ مصر الحديث، قائلًا: عشرات الآلاف من المزارعين تجمعوا في القاهرة بناء على توجيه من والده الذي حاز ثقتهم بإدارته لسنوات للاتحاد التعاوني الزراعي، وقطعوا مسافات كبيرة من عدة محافظات للمشاركة في معركة الحسم ليساهموا في تغيير معادلة الصراع الدائر وقتها.

وتابع: ربما مرت سنوات لم تشهد فيها الأجيال الجديدة فلاحين يعبرون عن مصالح الزراعة والمزارعين بقوة، ويدفعون نحو تطوير الريف، ولعل تلك مناسبة جيدة للإشارة إلى قوة أحمد يونس المستمدة من قاعدة شعبية واسعة بين الفلاحين، مكنته أن يترأس لجنة الزراعة والري داخل مجلس النواب لفترة طويلة انتهت بوفاته.

قوة والدي تمثلت في سعي أغلب النواب لعضوية اللجنة في ظل ترؤسه لها، منذ بداية عضويته في مجلس النواب عام 1956 وحتى رحيله في نوفمبر 1981، حيث بلغ عدد أعضاء اللجنة من النواب قرابة الـ160 نائبا من إجمالي 360 نائبا، كان من ضمنهم 50 من أعضاء الاتحاد التعاوني الزراعي في الأصل، ويكشف هذا العدد التأثير العميق للمزارعين في صناعة القرارات الحكومية، وتوجيهها نحو إرضاء قطاع شكل النسبة الكبرى من الشعب المصري وقتها، وإلى الآن باعتبار مصر دولة زراعية تعتمد على الفلاحين كـ«صمام أمان» لأمنها الغذائي.


وفى هذا السياق ذكر الكاتب الصحفي محمد رشاد في كتابه «مذبحة الاتحاد التعاوني الزراعي»، الدور العربي والإقليمي الذي أداه الاتحاد التعاوني الزراعي في فترة أحمد يونس، حيث شهد نشاط الاتحاد تطورا كبيرا على مستوى التعاون الإقليمي وإنشاء الاتحاد التعاوني العربي والأفريقي اللذين ترأسهما يونس أيضا، إلى جانب توقيع بروتوكولات بين الاتحاد في مصر واتحادات أخرى في عدة دول عربية وأجنبية، كما شهدت الفترة ذاتها خروج بعثات كثيرة من طلاب التعاون لدراسة الإدارة التعاونية في دول المعسكر الشرقي على رأسها روسيا وبلغاريا ورومانيا.


وبالحديث عن رومانيا، فهناك من لا يعرف تفاصيل العلاقة الوطيدة التي كانت تربط بين رئيس رومانيا نيكولاي تشاوشسكو، والبرلمانى المخضرم أحمد يونس، والتي مكنت من أداء دور وطني مهم قبيل حرب تحرير سيناء عام 1973، حين توجه «يونس» إلى رومانيا للقاء تشاوشيسكو بعد التنسيق مع الرئيس السادات، لجلب شحنة قطع غيار لأسلحة الجيش المصري المقبل على المعركة أمام إسرائيل، بعد رفض الروس إمدادنا بها ودخلت إلى مصر بعد وصولها من رومانيا في سرية تامة، بعد إخفائها داخل شحنة أسمدة، ولم تكن تلك المهمة السياسية الوحيدة التي كلف بها والدي، بل هناك عدد من المهام التي كان ينفذها بأمر مباشر من الرئيس السادات، لذلك تجد صورا له في لقاءات خاصة مع زعماء العالم العربي كالرئيس السوري حافظ الأسد ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وغيره من زعماء دول المعسكر الشرقي وقتها. بحسب ما ذكره «د. كريم».

وأضاف: التاريخ السياسي تحت قبة البرلمان والتجربة التعاونية المؤثرة لأحمد يونس لم تكن وليدة الصدفة، لكنها نتاج لحالة عامة عاشها المجتمع بين أربعينيات وستينيات القرن الماضي، شكلت الوعي السياسي لدى والدى وأقرانه من نفس الجيل، وقد ذكر الكاتب والمفكر الراحل الدكتور على السمان في كتابه «أوراق عمري من الملك فاروق وحتى عبد الناصر والسادات»، أنه من ملامح التربية السياسية التي تلقاها أحمد يونس في طفولته حيث قال السمان في كتابه: «ما أزال أذكر عن مدرسة طنطا الثانوية كيف أنها كانت مدرسة زعامات سياسية تمثل كل الأحزاب السياسية وقتها، وكان هناك مثلا أحمد يونس شقيق إبراهيم يونس، وكان زعيما للحزب السعدي في المدينة وكنت أراه يخطب من فوق سلالم المدرسة، فيخطب أمامه بخطاب مضاد شقيقه إبراهيم يونس المنتمي للحزب الاشتراكي، وأصبح أحمد فيما بعد رئيسا لاتحاد الفلاحين، ولعب دورا بجانب الرئيس السادات في أحداث 15 مايو، وأكثر من ذلك أقول إن مدرسة طنطا الثانوية كانت أشبه ببرلمان الكبار يجتمع فيه ممثلون للأحزاب وزعامات طلابية من عائلات كبيرة مثل سراج الدين وعبد الغفار والبدراوي باشا وغيرهم».


مع الرئيس عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو خلال افتتاح أحدى مراحل مديرية التحرير

وفى نفس السياق تكشف الوثائق وقصاصات الصحف التي لا تزال تحتفظ بها أسرة أحمد يونس تقرير للكاتب الصحفي والمؤرخ الكبير جمال بدوي بصحيفة «أخبار اليوم» عن قانون عمال التراحيل فور تخرجه من كلية الآداب عام 1961، والذي أشار فيه إلى كيفية تذكره أحمد يونس فور رؤيته في قرية النجيلة، التي كانت في مقدمة القرى التي طبق فيها قانون عمال التراحيل، مسترجعًا مشهد تزعم يونس لتظاهرات طلاب مدرسة طنطا الثانوية ضد اتفاقية (صدقي - بيفن) عام 1946، والتي ألغت بنود معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا.

وقال جمال بدوي في التقرير الذي تحتفظ أسرة أحمد يونس بنسخة منه، إن «قرية النجيلة بمحافظة البحيرة التي ترأس يونس مجلسها تم اختيارها لتكون أول مكان في الجمهورية يطبق فيه نظام عمال التراحيل الجديد بتأسيس مكاتب التشغيل ورفع الأجر اليومي إلى 25 قرشا، وجمع بياناتهم لتطبيق منظومة التأمين الصحي والاجتماعي عليهم، وأعلن أحمد يونس يومها من وسط القرية، حيث تجمع العمال وأعضاء مجلس المدينة، انتهاء عصر الإقطاع البشري في محافظة البحيرة، وصدحت وقتها زغاريد العاملات وتهليل العمال بإعلان منح الحقوق المشروعة لهم بعد سنوات من العمل في تعمير قصور وضياع الكبار من عرق الفلاحين البسطاء».

كما أشار «بدوي» إلى أن لقاءاته التالية مع أحمد يونس كان جزء كبير منها يتمحور حول الحديث عن عمال التراحيل وكيف تفيض مشاعر يونس تجاههم كأنهم إخوته وأحبابه.

وبالعودة إلى الدكتور كريم يونس، أكمل: «لم يعتد والدي أن يعرِّف نفسه للناس في يوم إلا كفلاح أصيل وحقيقي، نبت بين أقرانه من المزارعين وارتبط بالأرض الزراعية كأي فلاح مصري تجمعه علاقة عشق بالطين والنبات، وتمكن بمهاراته أن يكون عونا لهم وبابا يجلب لهم الخير من أجل تحقيق الأمن الغذائي لمصر وتطوير مهنة الزراعة بشكل مستمر، ورغم عدم تصنيفه كعالم في مجال الزراعة إلا أنه بمشاركته المهمة ولَّد أضخم مشروع استصلاح للأراضي في مصر فترة الخمسينيات والستينيات، وهو مشروع مديرية التحرير الذي صنع من الحدود الصحراوية الغربية للدلتا ظهيرا زراعيا جديدا توسع على مدار السنوات حتى كوّن أهم مناطق الزراعة للسوق المحلي والتصدير في مصر على مساحة تجاوزت المليون فدان، سواء في محافظة البحيرة أو على طريق (الإسكندرية الصحراوي)، والتوسعات الزراعية التي تمت فيه لاحقا امتدادا لمديرية التحرير، وتزين صور والدي مع الزعيم جمال عبد الناصر والرئيس اليوغوسلافي تيتو مكتبه في منزلنا بمركز كوم حمادة خلال افتتاح مراحل مختلفة من مشروع مديرية التحرير.


من جانبه قال أحمد الشربيني، رئيس الجمعية العامة لمنتجي البطاطس، التي ترأسها النائب أحمد يونس فترة: يونس قامة كبيرة في تاريخ العمل التعاوني وخدمة المزارعين، وإنه مثال يحتذى به ويجب دراسته هو وآخرين من أعلام الحركة التعاونية في مصر لدورهم المهم في تثبيت قواعد الدولة المصرية في الريف من خلال عمله الدائم على تعزيز تواجدها بينهم، حتى لا يشعر الفلاح بسقوطه من حسابات المسئولين رغم الدور المهم الذي يؤديه لحفظ الأمن الغذائي الذي يعتبر الملف الأهم لأي دولة.

«الشربيني» أشار إلى أن «عودة العمل التعاوني لسابق عهده وترابط قواعد الفلاحين بقيادات حقيقية تعمل على تحديث الزراعة وتحسين أحوال الفلاح المعيشية هدف إستراتيجي يجب أن تنظر له الدولة بعين الاعتبار لسعة القاعدة الجماهيرية من الفلاحين والتي تصل إلى 55% من قوام الشعب المصري وأنهم القوة الضاربة لمصر في مواجهة أي تهديدات خارجية، لأن من يملك قوته يملك قراره كما تعلمنا من اطلاعنا على تجارب القيادات العظيمة للحركة التعاونية المصرية، وعلى رأسها أحمد يونس وغيره من الأجيال التي حافظت على دور التعاونيات لسنوات».

أُضيفت في: 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الموافق 23 ربيع أول 1441
منذ: 19 أيام, 14 ساعات, 48 دقائق, 13 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية فلاح أنقذ مصر الفوضى

التعليقات

115911
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
  • خطوات المعارضين للطعن على قرارات عمومية المحامين
  • الأموال الضائعة في وزارات مصر
ختام مميز للدورة 41 من مهرجان القاهرة تشريعات عام الاستحقاقات الكبرى تطورات جديدة في قضية ”طالبة المرج”
آخر تحديثات
تفاصيل المؤتمر الصحفي بين السيسي ونظيره المجري مصر تدخل عالم الأقمار الصناعية المتخصصة الإنجازات تسيطر على قطاع الطيران
لقائمة النهائية لحركة المحافظين والنواب الجدد تفاصيل مؤتمر وزير التعليم اليوم جدل حول تمويل الحكومة للأحزاب السياسية
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟