احكي لي عن المهاجر

احكي لي عن المهاجر
فاتن فرادي
2021-11-22 00:04:31

ينتابني وأنا أتابع أزمة الهجرة الواقعة حاليّا على الحدود بين بيولوروسيا وبولندا، إحساس بالمرارة وخيبة الأمل:

مرارة لأنّ الإنسان مازال يهان لأنّه يبحث عن حياة أفضل أو ربّما لأنّه بكلّ بساطة، يريد أن يعيش.
 فالهجرة ظاهرة أزليّة ولن تنتهي أبد الدهر، بل إنّ أيّ متابع لما يحدث في العالم من حروب واظطهادات ومن آثار للتغيّر المناخي يزداد قناعة بأنّ معدّلاتها سترتفع مستقبلا.

أشعر كذلك بخيبة أمل لأنّني  لا أقبل هذا التراخي في التعامل مع ما يحدث للمهاجرين العالقين على الحدود البيلوروسيّة خاصّة في البداية، من قبل الاتحاد الأوروبي الذي يرفع دائما راية الإنسانيّة وحقوق الإنسان.

فأين هو المهاجر(ة) من كلّ هذا؟ يبدو أحيانا ضحيّة تآمر بلّاروسيا "الشرّيرة" وأحيانا أخرى شخصا عنيفا يحاول اجتياز الحدود عنوة ويلقي الحجارة على الجنود البولنديّين. وحتّى عند تناول هذه الأحداث، فإنّ الجانب الإنساني والخاص بكل ضحيّة لايحظى بالتحليل المستحقّ وإنّما يسلّط الضوء على الجوانب الأمنيّة والجيستراتيجيّة.

 

ليست هذه الأزمة المتمحورة حول الهجرة إلّا واحدة من كثيرات تندلع في مختلف أسقاع العالم.

كما أنّ موضوع الهجرة حتّى خارج إطار الأزمات الآنية التي تظهر من حين لآخر، هو بالغ الحساسيّة.

فما هو الدور الذي يمكن أن نلعبه نحن، الصحفيّون والصحفيّات ، الإعلاميّون والإعلاميّات  ومهنيّو الاتصالات  في إنارة الرأي العام حول هذا الموضوع ؟

لا شكّ في أنّ الموضوع متشعّب ومعقّد ولا بدّ من تحليل جميع تمظهراته وأسبابه السياسيّة والاقتصادية والاجتماعيّة وحتّى البيئيّة وتداعياته، ولكن على الصحفيّين والاتصاليّين ألّا ينسوا أنّ بوصلتهم هي الإنسان، ذلك المهاجر أكان فارّا
من الفقر أو من الحرب  أو من الاضطهاد، إنسان ترك وراءه عائلة وأرضا وذكريات وكلّ ما يبحث عنه هو الحياة بكرامة وأمان.

لهذه الأسباب وغيرها، لا بدّ أن نؤسّس لسرديّة متوازنة ومنصفة حول الهجرة.
فكيف لنا نحن الصحفيّون ومهنيّو الاتصال أن نتدخّل  في هذا المجال  الشائك؟
وهل يمكنا لعملنا أن يكون له وقع على مجتمعاتنا؟ هل يمكن أن نكون مؤثّرين فعلا؟ أنستطيع المساهمة في التغيير؟ الإجابة هي طبعا بنعم.

 هل ما أدعو إليه هو أن نبيّض صورة المهاجرين ونلبسهم جميعا لباس الملائكة؟؟ لا أبدا.
ما أدعو إليه هو ألّا يساهم مهنيّو الاتصال في شيطنتهم منصاعين وراء سياسيّين متطرّفين وشعبويّين.
 ما أدعو إليه هو أن نقول الصدق وأن تكون تحاليلنا متوازنة وشفّافة وأن تعتمد على معطيات صحيحة.
ما أدعو إليه هو ألّا نعامل المهاجر في الخبر كشيئ ، كقمامة لا ترغب فيها دول القدوم ولا دول الوصول وإنّما وقبل كلّ شيء، كإنسان له كرامة وحقوق لا بدّ أن تحترم في أيّ مكان على هذه البسيطة ومهما كان مكان ولادته.
 

وقد تمّ تناول بعض هذه المحاور، في إطار حدث رفيع المستوى حول السرديات والتواصل حول الهجرة وورشة عمل يوروميد  الرابعة لمسؤولي التواصل حول الهجرة، الذين انتظما في الفترة من 2 إلى 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، في باريس ، بالتعاون مع وزارة أوروبا والشؤون الخارجية للجمهورية الفرنسية و تحت رعايتها ، وبالشراكة مع نادي البندقية (Club of Venice).      . وقد انعقد هذان الحدثان  في إطار المؤتمر الأورومتوسطي حول سرديات الهجرة الذي يشارك في تنظيمه كل من يوروميد للهجرة 5 (EMM5) و الهجرة بين المدن المتوسطية (MC2CM)  وهما مشروعان يمولهما الاتحاد الأوروبي وينفّذهما المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة . (ICMPD)
 

تطرّق المتحدّثون إلى نقاط متعدّدة ومنها الشراكات الممكنة بين الإعلاميّين ومختلف الفاعلين في مجال الهجرة والتي تهدف إلى تحسين التواصل حول الهجرة والمهاجرين، ومن ثمّة إلى بناء سرديّات متوازنة وذلك في كنف احترام حريّة الصحافة وحريّة التعبير.

كما تمّ التأكيد على ضرورة إحكام استعمال وسائل التواصل الاجتماعي خدمة لهذه المطامح،وتوظيف الكلمات والصور بحنكة لإيقاظ الضمائر النائمة والتذكير بأنّ جوهر ظاهرة الهجرة  بصفة عامة وغير النظاميّة بصفة خاصّة هو الإنسان. وتمّ التذكير بضرورة مقاومة الأخبار الزائفة وتصحيح المعلومات الخاطئة التي يتمّ تداولها ولا سيّما عبر هذه الوسائط.

 

على الإعلام أن يلعب دورا جوهريّا من حيث دعم سرديّات تنبني على قبول الاختلافات وتثمينها من أجل بناء مجتمعات تعدّديّة وتدحض الإقرارات السلبيّة والأفكار المسبقة  التي تجعل من المهاجر خطرا على أمن بلد الاستقبال واقتصادها. فعلى سبيل المثال، يعتقد العديد من الأشخاص أنّ وفود المهاجرين إليهم ينعكس سلبا على سوق الشغل ويرفع من معدّل البطالة.ولكنّ ذلك خاطئ والتاريخ يثبت ذلك .فحتّى في وضعيّات كان توافد المهاجرين مكثّفا وفي وقت وجيز كما حصل ذلك في فرنسا سنة 1962 حيث وصل 000 900 من الجزئر أو في فلوريدا بوصول 150000 كوبيّا إليها سنة 1980 ، كان التأثير على سوق الشغل محدودا للغاية*. فغالبا ما يكون العاملون المهاجرون مكمّلين للعاملين المحلّيّين لا منافسين لهم.

وتتعدّد الدراسات العلميّة التي تثبت بالأرقام الانعكاسات الإيجابيّة للهجرة غير أنّ  الخوف من الآخر الذي يبدو خطرا
على قوتنا وأمننا ورفاهيّتنا متغلغل في قلوبنا وعقولنا. فلا تكفي دراسات أو أرقام لتجتثّ هذا الخوف من الآخر ونبذه، ولكنّها تحتاج إلى وسطاء محنّكين يحوّلون هذه المعطيات صعبة الفهم أحيانا والمملّة أحيانا أخرى بالنسبة لشريحة كبيرة من المتلقّين إلى معلومات مفهومة ومقنعة.  وهؤلاء هم الإعلاميّون والصحفيّون والعاملون في الميدان الاتصالي.
من بين مسؤوليّاتهم الإسهام في تحقيق الاندماج الإيجابي والمثري بين سكّان البلد المستقبل والوافدين إليه وإماطة اللثام عن "وحش" الهجرة والكشف عن مختلف جوانبها الإيجابية والسلبيّة منها بأكبر قدر من الموضوعيّة والمهنيّة، والإنسانيّة، لا ننسى ذلك لأنّ خلف الأرقام والأسلاك الشائكة والقوارب المتهالكة، ينبض قلب إنسان أنهكته الحياة ويحلم فقط بالسكينة والعيش الكريم.أهذا كثير؟

* Xavier Chojnicki et Lionel Ragot, L’immigration coûte cher à la France. Qu’en pensent les économistes ?, Les Échos/Eyrolles, 2012.

 

أُضيفت في: 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 الموافق 15 ربيع آخر 1443
منذ: 6 أيام, 23 ساعات, 22 دقائق, 49 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

125673
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟