شهر رمضان في تونس.. شهر هضم الحريات الشخصيةّ؟!

شهر رمضان في تونس.. شهر هضم الحريات الشخصيةّ؟!
فاتن فرادي
2017-06-04 19:37:20

 

شهر رمضان، شهر فضيل، شهر التسامح والتآخي والرحمة، هذا ما قيل لنا دائما منذ نعومة أظفارنا وهو ما يمثل روح هذا الشهر المقدس لدى المسلمين. فهل يتطابق المفهوم الديني لهذا الشهر وقيمه السمحة مع بعض طرق التعامل الاجتماعي خلاله  في تونس؟

لا غرو في أن هذه الفترة الزمنية من السنة هي مناسبة للتونسيين للم شمل العائلة والإحسان إلى الفقير وللعبادة بالنسبة للمتديننين منهم.

إلا أنه كذلك شهر يزداد فيه وطئ القهر الذي يمارسه مجتمع ذكوري على جسد المرأة ولا سيما خلال اليوم وذلك رغم ما يشهره من تفتح وتحرر.

فسيدي الرجل لابد أن يكبح جماح شهواته الجنسية دون أن يبذل أي مجهود ولذا فإن على المرأة أن تغير طريقة لباسها خلال النهار بالرغم من الحر وعليها أن تلبس ملابسا بكم طويل وسراويلا بدلا من الفساتين وإن كانت تريد أن ترتديها فلا بد أن تكون طويلة.

والأخطر في الأمر أن العديد من النساء يقمعن أنفسهن ولا يتساءلن حتى عن معنى هذا "العنف" المعنوي الذي يمارسه المجتمع عليهن كأنهن مجرد أدوات إغراء للرجل لابد من طمسها حتى لا يخرج الحيوان الذي بداخله خلال فترة الصيام، حتى لا ينظر إلى جسد المرأة أو تراوده أفكار جنسية، ما عاذ الله!

أليس شهر رمضان هو شهر التسامح كذلك؟

وماذا يعني التسامح؟ أليس القبول بالآخر واحترام معتقداته؟

شهدنا في الأيام الفارطة في تونس بعض الأحداث التي لا تتماشى وروح التسامح.

من بينها ما حاول فعله عادل العلمي رئيس حزب «تونس الزيتونة» الإسلامي  من تشهير بالمفطرين وهو ما دأب عليه منذ 2011.
 
إذ يزور المقاهي والمطاعم المفتوحة خلال النهار مصطحباً مصورا. وقد اعتجت وسائل التواصل الاجتماعي ولا سيما فايسبوك بفيديوهات مداهمات العلمي.

لكن الإيجابي في الأمر هو أن العديد من التونسيين قد نددوا من خلال الفايسبوك بما فعله وكذلك وسائل الإعلام التقليدية وأنه تم بعث مجموعة "مش بالسيف" ما يعني باللهجة التونسية ليس  غصبا التي دعت إلى تنظيم  تظاهرة يوم 11 يونيو.

أما  قرار محكمة الناحية ببنزرت بسجن أربعة أشخاص كانوا يتناولون الطعام خلال النهار في حديقة عمومية لمدة شهر اعتمادا على الفصل 226 من المجلة الجنائية واعتبارا أن ممارستهم لحريتهم الشخصية من شـأنها أن تخل بالآداب العامة فقد تسبب في جدل واسع في الشارع التونسي ولازال هذا الجدل قائما حتى يصدر قرار محكمة الاستئناف.

فأين نحن من التسامح؟ وأين نحن من احترام الدستور الجديد للجمهورية التونسية؟ أفلا تلتزم الدولة "بنشر قيم الاعتدال والتّسامح "؟! أليست  "كافلة لحريّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة" كما ورد في الفصل السادس من الدستور؟!


أليس القانون هو من  "يحدد... الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها. ولا توضع هذه الضوابط إلا لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير" كما ورد ذلك في الفصل 49 من الدستور؟! والقانون لا يمنع الإفطار خلال شهر رمضان فذلك يندرج ضمن حرية الضمير.    

إذا كيف لهذه المحكمة أن تسلب حرية مواطنيين تونسيين لمجرد أنهم تصرفوا ووفق قناعاتهم الشخصية؟

يبدو لي أن هذا القرار مبني على قراءة تعسفية للفصل 226 وأنه في الواقع خال من أي سند قانوني.

والمؤسف كذلك في الأمر أن القضية انطلقت بشكوى من طرف بعض المتساكنين الذين رأووا الأربعة أشخاص وهو يأكلون.

فأين التسامح من هذا ؟ فهل منع إفطار الأربعة المتساكنين من الصيام؟ هل أن قناعتهم الدينية ضعيفة لدرجة التأثر برؤية أشخاص يأكلون؟ ومن قال لهم انهم مسلمون؟

ولماذا ننطلق أصلا من مبدأ أن كل التونسيين إن لم يكونوا من اليهود فهم مسلمون؟ الانطلاق من هذه الفكرة يتناقض ومبادئ الديموقراطية والتسامح. المبدأ أن لكل شخص دينه أو لا و قناعاته فيجدر بنا ألا نسقط عليه قناعاتنا نحن ومعتقاداتنا نحن.

وحتى لو كان المفطرون مسلمين فلابد أن نحترم حقهم في ممارسة حرياتهم الشخصية.

لماذا يدعي البعض الألهية وينصب نفسه حاكما على ضمائر الناس؟

أهذا هو التسامح؟ أهذا هو التآخي؟ أهذا هو ما يتماشى وروح هذا الشهر المقدس؟

حقا إن المجتمع التونسي مازال يتخبط في براثن التدين "الزائف" و"المتغطرس" والذكورية التي تتدفق في شرايينه وتجعل منه جسدا مريضا لم يشفه الزمن. لعل الفكر البورقيبي هو الذي لازال يحارب بما بقي منه كي لا تسقط تونس في الظلمات وكي تضيء دائما بنور الحداثة.

أُضيفت في: 4 يونيو (حزيران) 2017 الموافق 9 رمضان 1438
منذ: 24 أيام, 13 ساعات, 38 دقائق, 41 ثانية
0
الرابط الدائم
كلمات مفتاحية شهر رمضان تونس الحريات

التعليقات

85639
تويتر
  • ابرز الشائعات فى2017
  • مهرجان كان 2017
  • اسعار كحك العيد
موسم أفلام عيد الفطر 2017
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟