وداعًا للتصفح المأساوي.. كيف تحول ويكيبيديا وقتك الضائع إلى معرفة؟
في عالم باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للأخبار السلبية والمحتوى الذي يستنزف الطاقة النفسية، برز مصطلح الدوم سكرولينج أو التصفح المأساوي ليعبر عن تلك الحالة التي نجد فيها أنفسنا محاصرين بين فيض من المعلومات المحبطة.
ومن هنا، انطلقت فكرة مبتكرة تسعى لترويض عاداتنا الرقمية وتحويل فعل التمرير اللانهائي على الشاشات من وسيلة للقلق إلى أداة للتثقيف المتواصل، وذلك من خلال مشروع تقني يحمل اسم زيكيبيديا.
مشروع زيكيبيديا هو تطبيق ويب طورته المبرمجة ليرا ريبان، ويهدف بشكل أساسي إلى تقديم محتوى موسوعة ويكيبيديا الشهيرة في قالب يشبه تماماً واجهات منصات التواصل الاجتماعي مثل إكس أو تيك توك.
الفكرة بسيطة لكنها عبقرية في جوهرها؛ فبدلاً من أن تقرأ تغريدات مشحونة بالتوتر أو تشاهد مقاطع فيديو لا قيمة لها، يمنحك التطبيق خلاصة مقالات ويكيبيديا البسيطة في شكل منشورات قصيرة وجذابة يمكنك التفاعل معها تماماً كما تفعل في تطبيقاتك المفضلة.
ما يميز هذا المشروع ليس فقط محتواه التعليمي، بل الفلسفة التي بُني عليها من حيث الخصوصية والخوارزميات. توضح ريبان أن التطبيق يعمل كنموذج تجريبي لكيفية عمل الخوارزميات دون الحاجة لجمع بيانات المستخدمين أو استخدام تقنيات تعلم الآلة المعقدة التي تقتحم الخصوصية.
فالخوارزمية التي تحرك زيكيبيديا تعمل محلياً على جهاز المستخدم، وتتعلم تفضيلاتك في اللحظة ذاتها؛ بمجرد أن تعجب بمنشور ما، يبدأ النظام في اقتراح مقالات من فئات مشابهة أو موضوعات مرتبطة بها. وبمجرد إغلاق المتصفح أو تحديث الصفحة، تختفي كل هذه البيانات ولا تترك أثراً، مما يجعله تجربة رقمية نظيفة تماماً وآمنة من الناحية المعلوماتية.
عند استخدام زيكيبيديا، يجد المستخدم نفسه أمام تدفق معلوماتي يبدأ من النسخة المبسطة لويكيبيديا، وهي نسخة مصممة بلغة سهلة ومباشرة. يمكن للمستخدم اختيار فئات اهتمام محددة، مثل العلوم أو التاريخ أو الفن، لتظهر له ملخصات سريعة مدعومة بالصور.
وإذا استثار أحد المنشورات فضولك، يمكنك بضغطة واحدة الانتقال إلى المقال الكامل للتعمق في التفاصيل. هذا الأسلوب يعيد إحياء روح الاستكشاف العشوائي التي كانت تميز الإنترنت في بداياته، قبل أن تسيطر عليه الخوارزميات الموجهة تجارياً.
ومع ذلك، لا يخلو الأمر من بعض النقاط التي يجب أن يدركها المستخدم قبل الانخراط في هذه التجربة. فبما أن التطبيق يسحب الصور والنصوص من مقالات عشوائية، فقد تظهر أحياناً مواد غير مناسبة لبيئة العمل أو محتوى يحتاج لرقابة، لذا وجب التنبيه.
كما أن التطبيق يحتاج لتحميل حوالي 40 ميجابايت من البيانات عند البدء، مما قد يتسبب في تأخير طفيف في التحميل للمرة الأولى.
من ناحية الدقة، يعتمد التطبيق على النسخة الإنجليزية البسيطة من ويكيبيديا، والتي تضم أكثر من 278 ألف مقال. ورغم ضخامة هذا الرقم، إلا أن هذه النسخة قد لا تكون محدثة بنفس سرعة الموسوعة الأم.
فعلى سبيل المثال، قد تجد صفحات لبعض المشاهير تفتقر لأحدث أعمالهم أو أخبارهم، ولكن هذا لا يقلل من قيمة التطبيق كمنصة للاكتشاف الأولي. فهو يعمل بمثابة نقطة انطلاق ممتازة لمن يريد كسر حلقة التصفح السلبي والانتقال إلى تصفح معرفي يضيف لعقله معلومة جديدة مع كل تمريرة لأسفل.
إن زيكيبيديا يمثل صرخة في وجه إدمان المنصات التقليدية، ويقدم بديلاً صحياً يجمع بين الرغبة الغريزية في التصفح وبين الحاجة الإنسانية للتعلم. إنه يعيد تعريف علاقتنا بالشاشة، محولاً إياها من مصدر للضغط العصبي إلى نافذة مفتوحة على معارف العالم، مما يجعله رفيقاً مثالياً في أوقات الفراغ أو أثناء الانتظار، حيث تصبح كل ثانية تقضيها هي استثمار في حصيلتك الثقافية بدلاً من أن تكون خسارة لصحتك النفسية.





