محمد ريان يكتب من قطر: وطن يسبح في الخيال والأمان وابتسامة الوجوه
إقامتي في الدوحة تعني الراحة والاستقرار النفسي؛ فهذا الوطن كل شيء فيه يدعو إلى الإعجاب بما يتمتع به من نظام مبهر وعدالة لا نظير لها، ومعاملات دقيقة سريعة الإيقاع، واحترام صارم للمواعيد بلا زيادة ولا نقصان. منذ اللحظة الأولى تشعر بأنك أمام تجربة مختلفة؛ مدينة تعرف ماذا تريد، وتتحرك بثقة نحو المستقبل.
استضافني سعادة الشيخ فالح بن غانم آل ثاني، وكانت استضافةً تحمل معاني الكرم العربي الأصيل والرؤية المنفتحة على الإبداع. لم تكن مجرد دعوة عابرة، بل مساحة حقيقية للحوار الفني وتبادل الأفكار، حيث يلتقي الاهتمام بالتفاصيل مع روح الدعم والتشجيع. كرم الضيافة لم يكن في الاستقبال وحده، بل في الحرص على أن يشعر الضيف بأنه جزء من المشهد الثقافي والفني، وأن ما يُطرح من أفكار يجد آذانًا مصغية وبيئة حاضنة للتجربة الجديدة.
هنا لا مكان للبيروقراطية؛ فكل شيء يسير بإيقاع سريع، ولا مجال للخمول أو النوم الطويل. الاستيقاظ مبكرًا يبدو كأنه فنّ بحد ذاته؛ فنور الصباح جاذب، والهدوء آسِر، والحياة اليومية تُدار بعقلية إنتاجية تجعل الفرد جزءًا من منظومة لا تعرف التراخي.
الدوحة اليوم ليست مجرد مدينة حديثة، بل مركز متنامٍ للإعلام والإبداع الفني في المنطقة. منصات الإنتاج الإعلامي، والاستوديوهات المتطورة، والمساحات الثقافية المفتوحة، كلها تصنع بيئة خصبة لصناعة المحتوى العربي المعاصر. هنا تتجاور الفنون البصرية مع المسرح والموسيقى وصناعة الأفلام، وتجد المبادرات الشبابية مساحة للظهور جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الكبرى، في مشهد يعكس رغبة حقيقية في بناء قوة ناعمة قائمة على الثقافة والإبداع.
في الدوحة تجد كل الجنسيات واللغات والثقافات؛ مدينة عالمية تحتفظ في الوقت نفسه بهويتها العربية. لا مساحة للثرثرة الزائدة، ولذلك يبدو التوهج مستمرًا والقلوب صافية، والعمل هو اللغة المشتركة بين الجميع. من المطار حتى مقر إقامتك، ومن اللقاءات الفنية إلى الجلسات الثقافية، تشعر بأنك في مدينة تعرف كيف توازن بين الحداثة والإنسان.
ليس مقالي هذا مجاملة، بل هو واقع ملموس يلمسه كل من يزور المكان. وعندما تغادر، تكتشف أن الحنين يبدأ قبل أن تُغلق حقائبك؛ لأن الدوحة لا تكتفي بأن تُستضاف فيها، بل تترك داخلك رغبة دائمة في العودة مرةً أخرى.. بحثًا عن تلك اللحظة التي يلتقي فيها الإبداع بالطمأنينة.








