رمضان عرفة يكتب.. وزارة الدولة للاعلام من ارتباك التجربة الى وضوح الرؤية
بحكم اهتمامي المهني والبحثي بملف الاعلام وتخصصي في متابعة تطور السياسات الاعلامية في مصر والمنطقة، كنت دائما اؤمن ان الاعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الاخبار، بل اصبح اداة استراتيجية في بناء الوعي وصناعة الصورة الذهنية للدولة، ولذلك، تابعت عن قرب تجربة وزارة الدولة للاعلام منذ انشائها عام 2019 وحتى الغائها في 2021، وما دار حولها من نقاشات سياسية ومهنية، واليوم ارى ان عودتها في نسختها الجديدة تمثل فرصة حقيقية لاعادة تعريف الدور الاستراتيجي للاعلام في الجمهورية الجديدة.
عندما تم استحداث وزارة الدولة للاعلام في حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وتولى حقيبتها الكاتب الصحفي اسامة هيكل، كانت الفكرة في جوهرها محاولة لاعادة وجود مظلة تنسيقية تقود المشهد الاعلامي دون العودة الى النموذج القديم لوزارة الاعلام التنفيذية، غير ان التجربة واجهت تحديات موضوعية تتعلق بتداخل الاختصاصات مع كيانات دستورية مستقلة مثل المجلس الاعلى لتنظيم الاعلام والهيئة الوطنية للاعلام والهيئة الوطنية للصحافة، وهو ما خلق حالة من عدم وضوح الادوار.
لا يمكن انكار ان مرحلة اسامة هيكل جاءت في توقيت دقيق، حيث كان المشهد الاعلامي يعاد تشكيله بعد دستور 2014، الذي ارسى مبدأ استقلال الهيئات المنظمة للاعلام، لكن الاشكالية لم تكن في الفكرة بقدر ما كانت في عدم اكتمال البنية المؤسسية التي تحدد بدقة دور وزارة الدولة للاعلام بوصفها جهة تخطيط استراتيجي لا جهة تنفيذ.
اليوم، ومع تولي الكاتب الصحفي ضياء رشوان حقيبة وزارة الدولة للاعلام، تبدو الصورة مختلفة، رشوان ليس فقط صحفيا متمرسا، بل صاحب خبرة طويلة في ادارة الملف الاعلامي داخليا وخارجيا، ويمتلك فهما عميقا لطبيعة العلاقة بين الدولة ووسائل الاعلام، وكذلك لطبيعة الخطاب الدولي الموجه الى الخارج، هذه الخبرة تمنحه ميزة مهمة في قيادة الوزارة نحو دور اكثر وضوحا وتماسكا.
ما يميز المرحلة الجديدة ليس مجرد تغيير اسم الوزير، بل اختلاف السياق والرؤية، فالنسخة الجديدة من الوزارة يمكن ان تتحول الى عقل استراتيجي للدولة في المجال الاعلامي، بحيث تركز على التخطيط بعيد المدى، وادارة الصورة الذهنية لمصر، وتنسيق الرسائل الكبرى بين مؤسسات الدولة، دون التدخل في صلاحيات الهيئات التنظيمية المستقلة.
الميزة الجوهرية التي ينبغي ان تقوم عليها الوزارة في مرحلتها الحالية هي وضوح الاختصاص، فبدلا من ان تكون طرفا في المشهد التنفيذي، تصبح جهة لوضع السياسات العامة، وقياس الاداء، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ورصد التحولات الرقمية، فالعالم اليوم يتحرك بسرعة هائلة في مجال الاعلام الرقمي، ومن دون مركز تفكير متخصص يدعم صانع القرار ببيانات دقيقة وتحليلات علمية، يصبح الخطاب الاعلامي عرضة للتشتت.
كما ان المرحلة الجديدة تتطلب انتقالا حقيقيا من رد الفعل الى الفعل الاستباقي، خاصة فى ملفات ادارة الشائعات، والتعامل مع الازمات، وصياغة الرسائل الرسمية، وتوحيد الخطاب في القضايا الكبرى، كلها ملفات تحتاج الى قيادة تمتلك خبرة سياسية واعلامية في آن واحد، وهنا تبرز قيمة خبرة الدكتور ضياء رشوان الذي تعامل لسنوات مع ملفات اتصال حساسة، وادرك اهمية المعلومة الدقيقة والتوقيت المناسب.
كذلك، يجب ان تنفتح الوزارة في نسختها الجديدة على الشباب وصناع المحتوى الرقمي، وان تدعم صناعة اعلام حديث قادر على المنافسة اقليميا ودوليا، لان الاعلام لم يعد شاشة تقليدية فقط، بل منظومة متكاملة تشمل المنصات الرقمية، والبودكاست، والفيديو القصير، والتواصل المباشر مع الجمهور، ومن هنا يصبح دور الوزارة هو التنسيق ووضع الرؤية، لا الادارة المباشرة.
اذا كانت تجربة 2019 الى 2021 قد كشفت عن ثغرات في تحديد الادوار، فان المرحلة الحالية تمثل فرصة لتصحيح المسار، الفارق بين التجربتين يجب ان يكون في وضوح التشريع، ودقة توزيع الاختصاصات، والاعتماد على التحليل العلمي، ووجود مؤشرات قياس اداء حقيقية، مثل مستوى الثقة في الاعلام الوطني، وسرعة الاستجابة للازمات، وحجم التأثير الدولي للخطاب المصري.
ان وزارة الدولة للاعلام في صورتها الجديدة يمكن ان تصبح منصة لتكامل الجهود بين مؤسسات الدولة، وجسرا بين الحكومة والرأي العام، واداة لتعزيز القوة الناعمة المصرية، ومع قيادة تمتلك خبرة تراكمية وفهما عميقا لطبيعة المرحلة، يمكن لهذه الوزارة ان تتحول من تجربة قصيرة العمر الى ركيزة اساسية في بناء وعي مستنير ومتوازن.
في النهاية، القضية ليست في وجود وزارة من عدمه، بل في قدرتها على ان تكون عقل الدولة المفكر في زمن اصبحت فيه المعركة الحقيقية معركة وعي وصورة ذهنية، ومع تولي الكاتب الصحفى ضياء رشوان المسؤولية بعد تجربة الدكتور اسامة هيكل، تبدو الفرصة مهيأة لولادة مرحلة اكثر نضجا وتحديدا للدور، مرحلة يكون فيها الاعلام شريكا في البناء لا مجرد ناقل للاحداث.









