المستقبل لا يسير… بل يطير
استيقظت صباحًا، ومددت يدي إلى هاتفي كعادتي، فاستوقفني خبر بدا كأنه وصل من المستقبل: تسلا تكشف عن سيارة تطير.
فتحت المقطع، وشاهدت سيارة «رودستر» بيضاء تنطلق بسرعة هائلة، تتشبث بمسار مقلوب، ثم تقفز فوق مجموعة من السيارات وتدور في الهواء قبل أن تهبط على عجلاتها.
لم يكن المشهد جزءًا من فيلم خيال علمي، بل عرضًا حقيقيًا لتقنية طُوّرت بالتعاون بين تسلا و«سبيس إكس»، تستخدم دافعات تعمل بالغاز المضغوط. وما ظهر لم يكن طيرانًا مستمرًا كالطائرات، بل قفزات ومناورات جوية قصيرة؛ تجربة مدهشة، لكنها لا تعني أن سيارة أصبحت جاهزة لنقلنا فوق شوارع المدن.
انتهى المقطع، لكن الدهشة لم تنتهِ معه.
لقد بدا المستقبل كأنه لم يعد يسير نحونا بخطوات متأنية؛ بل أصبح يطير. غير أن المشهد أثار في داخلي سؤالًا أهم من قدرة السيارة على مغادرة الأرض: هل سيحمل هذا المستقبل الجميع معه، أم سيصبح طريقًا جديدًا لا يستطيع دخوله إلا القادرون؟
وبين العرض المدهش والمنتج الذي يصل إلى مستخدميه مسافة تستحق التأمل. فقد كشفت تسلا عن نموذج الجيل الثاني من «رودستر» عام 2017، ووعدت آنذاك ببدء التسليم في 2020، بينما تعلن الآن استهداف بدء الإنتاج في 2028. سنوات طويلة تذكّرنا بأن المستقبل قد يصل إلى الشاشات قبل أن يصل إلى حياتنا.
وليس عيبًا أن يبدأ الاختراع نادرًا وباهظ الثمن، ولا يُطلب من كل سيارة جديدة أن تحل أزمة النقل. لكن هناك فرقًا بين الاحتفاء بإنجاز هندسي، وتقديمه بوصفه بشارة بحياة أفضل للجميع. فالقدرة على صنع الشيء لا تخبرنا وحدها بمن سينتفع به.
تخيل، بعيدًا عن حدود النموذج المعروض، أن هذه التقنيات تطورت يومًا حتى أصبحت هناك سيارات تنقل أصحابها فوق الزحام. مدينة تختنق شوارعها كل صباح، ويقضي سكانها ساعات من أعمارهم بين المنزل والعمل، بينما يستطيع عدد محدود مغادرة ذلك كله إلى مسار آخر في السماء.
سيكون أصحاب هذه السيارات قد وجدوا مخرجًا، لكن المدينة ستظل تحتاج إلى حل.
وهذا هو الفارق الذي يشغلني بين الحل والامتياز: الحل يخفف المشكلة عمن يعيشونها، أما الامتياز فقد يسمح لبعضهم بمغادرتها.
قد يصل شخص إلى عمله محلقًا خلال دقائق، بينما يقضي عامل آخر ساعتين في حافلة مزدحمة. عندها تكون التكنولوجيا قد اختصرت المسافة بين مكانين، لكنها قد تزيد المسافة بين إنسانين؛ خصوصًا إذا اكتفينا بالاحتفال بمن وصل أسرع، ونسينا من لا يزال ينتظر.
ولا يعني ذلك التقليل من جرأة التجربة أو قيمة ما حققه المهندسون. فمن حق الإنسان أن يجرب، وأن يدفع الآلة إلى حدود لم تبلغها من قبل، وقد تخرج من تجربة محدودة تقنيات تجد طريقها لاحقًا إلى استخدامات أوسع. لكن احتمال المنفعة المقبلة لا يغني عن السؤال عن المنفعة الفعلية، ولا يجعل انتشارها أمرًا مضمونًا.
لقد بدأت السيارات والهواتف المحمولة منتجات لا يمتلكها سوى القادرين، ثم اتسع استخدامها حتى دخلت حياة الملايين. وهذا يمنحنا سببًا للأمل، لكنه لا يقدم وعدًا بأن كل اختراع جديد سيسلك الطريق نفسه. فالانتقال من أيدي القلة إلى حياة الناس يحتاج إلى أكثر من مرور السنوات؛ يحتاج إلى تكلفة يستطيعون تحملها، وأمان يثقون به، واستخدام يستحق ما ينفقونه عليه.
لهذا لا تكمن القيمة الإنسانية للسيارة الطائرة في مقدار ارتفاعها عن الأرض وحده، بل في مقدار اقترابها من احتياجات الناس. وسيكون اختبارها الأهم فيما تستطيع تقديمه خارج ساحة العرض، حين تواجه أسئلة الاستخدام والتكلفة والسلامة.
بعد أن أغلقت هاتفي، نظرت من النافذة إلى الشارع: سيارات تتحرك ببطء، وحافلات ممتلئة، وأشخاص يتابعون ساعاتهم بقلق. كان المستقبل الذي شاهدته قبل دقائق يحلّق فوق شاشة صغيرة، بينما الواقع ما زال عالقًا في الطريق.
قد تنجح التكنولوجيا في رفع السيارة عن الأرض، ويبقى نجاحها الإنساني مرهونًا بقدرتها على رفع المشقة عن حياة البشر.








