أزمة التعليم وإعادة تدوير الجهل !!

أزمة التعليم وإعادة تدوير الجهل !!
الدكتور محمد سيد أحمد
2021-03-10 15:32:35

ليست المرة الأولى التي أتحدث فيها عن أزمة التعليم في المجتمع المصري, وأعلم جيدا أن الموضوع به محاذير كثيرة, خاصة إذا جاء من شخص يعمل فى نفس المؤسسة الأكاديمية, وأحد أعضاء الجماعة العلمية التي نصفها بأنها تعيد تدوير الجهل, لأن فتح الملف سوف ينكأ جراح ويكشف عورات مؤسسات ترسم لنفسها صورة ذهنية تقترب من القداسة, فدائما ما نسمع مصطلح محراب العلم, ومصطلح الحرم الجامعي الذي يعني أنه مكان مقدس, ومثلما تحاول المؤسسات الدينية أن تضفي على نفسها قداسة مصطنعة تستمدها من الدين ذاته باعتبار القائمين على هذه المؤسسات هم ظل الله في الأرض والمتحدثين باسم العناية الإلهية وبالتالى يحاولون إيهامنا بأنهم مقدسون كما الرب وكما نصوصه وكلماته التي أنزلها على رسله.

 وأي محاولة لنقد هؤلاء المشايخ المسيطرون على المؤسسات الدينية خاصة الرسمية منها تضع صاحبها في خانة الكفر أو على أقل تقدير في خانة النبذ والاضطهاد والوصف بالجهل, فإن أي محاولة للاقتراب من المؤسسة الأكاديمية لنقدها سوف تجد من يخرج ليشهر عليك سيفه ويحاربك ويحاول النيل منك  بطرق شتى, وعندما حاولت استطلاع رأي بعض الزملاء الذين ينتمون إلى المؤسسة الأكاديمية ويعانون من الفساد المستشري بداخلها أنني سوف أفتح هذا الملف في محاولة للنقد الذاتي لعل ما أكتبه قد يحرك بعض المياه الراكدة في هذه البحيرة الآسنة, فوجدت الخوف في عيونهم على الرغم من حديثهم الدائم في مجالسهم الخاصة الضيقة عن أشكال الفساد المستشري داخل المؤسسة الأكاديمية, وبما أنني قد خضت معارك طويلة مع الفساد داخل هذه المؤسسة فقد قررت فتح الملف مرة أخرى.

وقبل الخوض في موضوع إعادة تدوير الجهل على مستوى التعليم الجامعي وما بعد الجامعي لابد من التأكيد على أن التعليم ما قبل الجامعي قد تحول هو أيضا إلى آلة لإعادة تدوير الجهل, فالعملية التعليمية منذ البداية تعتمد على أساليب الحفظ والتلقين دون أي محاولة للفهم و النقد وإعمال العقل, بل أن الطالب الذي يحاول أن يستخدم هذه الملكات مصيره الاضطهاد والتنكيل والحصول على درجات ضعيفة لا تؤهله لمواصلة مراحل التعليم التالية, وبالطبع هناك العديد من المظاهر السلبية التي يمكن رصدها لإعادة تدوير الجهل في مرحلة التعليم قبل الجامعى, لكننى سأستشهد هنا بمظهر واحد فقط وهو سيادة الدروس الخصوصية على حساب دور المدرسة والمعلم, لدرجة أننا أصبحنا نلوم أنفسنا عندما لا نعطي أبنائنا دروسا خصوصية, فى حين كانت الأجيال السابقة  تعتبر من يحصل على دروسا خصوصية موصوما اجتماعيا, وأصبحت مهمة المدرس الخصوصي هى تحفيظ وتلقين وحشو رأس الطالب بالمعلومات اللازمة لحصوله على درجات عالية لدخول الجامعة.

وينتقل الطالب إلى الجامعة وقد اعتاد على هذه الطريقة فيجد الغالبية العظمى من أساتذته يسيرون على نفس النهج, وأي محاولة من قبل القليل من الأساتذة لتغيير تلك المنظومة ومحاولة إعادة تشكيل عقل الطالب للفهم والنقد والتفكير والابتكار تلقى عدم استجابة من الطالب من ناحية ومن القائمين على إدارة المؤسسة من ناحية أخرى, فدائما ما يكون الأستاذ مطالبا بنتيجة مقبولة وإذا جاءت نسبة النجاح منخفضة يتم الضغط على الأستاذ لرفع النتيجة وإذا رفض تتدخل الإدارة برفعها ضاربة برأى الأستاذ عرض الحائط عن طريق ثغرة قانونية تسمى بلجنة الممتحنين, وبذلك تترسخ آلية الحفظ والتلقين ويفشل كل من يحاول أن يعمل ضدها لإنتاج علم حقيقي بدلا من الجهل, والنتيجة المتحصلة من هذه العملية هى خريج تمكن من حفظ الكتب دون فهم أو نقد أو إعمال للعقل وملكاته المختلفة ويتصدر الأكثر قدرة على الحفظ قائمة الأوائل ويعين معيدا بالجامعة ويتدرج إلى أن يصل لدرجة أستاذ.

وبالطبع كارثة الكوارث تبدأ عندما يكون هذا الأستاذ هو المسؤول عن إعداد طلاب الدراسات العليا الذين سيحصلون على درجات الماجستير والدكتوراة, وهنا حدث ولا حرج عن عشرات ومئات وآلاف الرسائل العلمية في كافة التخصصات التي حصل عليها الطلاب من الجامعات المصرية تحت إشراف أساتذة لا يعملون عقولهم ولم يتعودوا على تشغيل عقولهم بعيدا عن عمليتي الحفظ والتلقين, وإذا كان هناك أستاذ يرغب في تعليم طلابه أساليب مختلفة قائمة على الفهم والنقد وإعمال العقل سيفر منه الطلاب وإذا شارك في مناقشة رسالة علمية ورفض منح الطالب الدرجة لعدم استحقاقه يجد زملائه المشرفين يضغطون عليه ويقولون له أن الدرجة تمنح لنا كإشراف وليس للطالب, وإذا رفض يتم استبعاده ولا يأتون به لمناقشة طلابهم مرة أخرى.

وبالطبع هؤلاء الأساتذة هم المسيطرون على المشهد الأكاديمي برمته, وبالطبع يتم معاقبة المتميزون وكل من يثبت أنه قد حاول استخدام عقله بعيدا عن الحفظ والتلقين, هذا إلى جانب تدخل العلاقات الشخصية والمحسوبية والهدايا والرشوة أحيانا من أجل الحصول على الدرجات العلمية, ولا يمكن إغفال السرقات العلمية التي لا تعد ولا تحصى وفي كافة التخصصات, والغريب حقا داخل المؤسسة الأكاديمية أن أخر ما تهتم به الجماعة العلمية هو العلم ذاته, فغالبية الحوارات والنقاشات التي تدور داخل أسوار الجامعة بين أعضاء هيئة التدريس أبعد ما تكون عن العلم, لذلك فإن ما يتم داخل هذه المنظومة هو إعادة تدوير للجهل, وإذا كانت هناك نوايا حقيقية للإصلاح وإعادة بناء المجتمع وتحقيق نهضة فعلية فعلينا أن نقبل النقد الذاتى ونبدأ بتصحيح مسار هذه المنظومة برمتها سواء في مرحلة التعليم قبل الجامعي أو الجامعي أو ما بعد الجامعي, اللهم بلغت اللهم فاشهد.              

أُضيفت في: 10 مارس (آذار) 2021 الموافق 26 رجب 1442
منذ: 7 شهور, 10 أيام, 9 ساعات, 44 دقائق, 24 ثانية
0
الرابط الدائم
موضوعات متعلقة

التعليقات

125369
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟