ما ذا إن كان الموت حقّا ؟

ما ذا إن كان الموت حقّا ؟
فاتن فرادي
2021-04-18 01:11:48

"الحقّ في الموت" عبارة تبدو متناقضة و"غير منطقيّة". فهل الموت حقّ ؟

الكلُّ يفهم الحق في الحياة، أمّا الموت فهو دومًا مصير ليس بايدينا، يطرأ علينا، يصيبنا فينهي وجودنا ونقبله مستسلمين للإرادة الإلاهية  ولا نناقش الكيف والمتى.

فماذا إذا كان شخص ما يشكو من مرض عضال لا أمل له في الشفاء منه، وإن كان هذا المرض يسبّب له آلاما جسديّة أو نفسيّة رهيبة؟ وما ذا إن كان هذا الشخص غير قادر جسديّا على الانتحار و كان لديه الحق في أن يطلب من أحد أن يقوم بذلك– طبيب أو شخص مقرّب- وذلك تحت مراقبة طبّيّة صارمة؟

 

هذا ما يعبّر عنه ب »الموت الرحيم « أو Euthanasia  باللغة الانجليزيّة، وهي كلمة من أصل يوناني، وتعني "الموت الجيّد، الموت الناعم "دون معاناة". و ينقسم »الموت الرحيم « إلى نوعين :

 

السلبي: ويعني أن يتقرّر في المرحلة النهائية من المرض العضال، أن يتمّ إيقاف أيّ علاج أضحى غير ناجع وفصل الآلات التي تبقي على حياة المريض اصطناعيّا.

الإيجابي: ويتمثّل في أن يساعد طبيب أو شخص مقرّب المريض على إنهاء حياته وذلك بناء على طلبه الملحّ والمتكرّر.
 

ويجدر الذكر أنّ عدد البلدان التي تسمح ﺑ"الموت الرحيم" وتقنّنه محدود ومنها: بلجيكا، وهولندا، وسويسرا, ولكسمبورغ،و كلمبيا وبعض الولايات الأمريكيّة و إسبانيا(في مارس 2021).

 

وقد احتدم النقاش مؤخّرا في فرنسا حول مشروع قانون جديد يبيح "الموت الرحيم" . علمًا وأنّ المشرّع الفرنسي قد شرع في تقنين العناية الصحّيّة بالمرضى في آخر مراحل حياتهم منذ 2005  وأنّ القانون الحاليّ المعمول به هو قانون "كلايس- ليناتي" الذي تمّت المصادقة عليه سنة 2016 وهو يسمح للطبيب ﺑالتخدير العميق والمتواصل للمريض إلى أن يؤدّي ذلك إلى وفاته. ويخضع ذلك لشروط عديدة كأن يكون الموت وشيكًا، أي ألّا يبقى إلّا بعض الساعات أو الأيّام حتّى يفارق المريض الحياة. فماذا عن الحالات الأخرى الميؤوس منها والتي يكلّف فيها كلّ نفس آلاما لا تطاق للمريض؟

يرى العديد أنّ قانون" كلايس- ليناتي" غيرمرض وغير كاف وأنّه على فرنسا أن تشرّع للمساعدة "الإيجابيّة "على الموت في الحالات التي يطلب فيها المريض ذلك ويوافق فيها الأطبّاء على طلبه آخذين بعين الاعتبار وضعه الصحّي المؤدّي لا محالة إلى الموت ومعاناته التي لم يعد يطيقها. هذا بالإضافة إلى أنّ ما يسمّى بالمرافقة الصحّيّة في المرحلة النهائيّة (Palliative care
 Soins palliatifs/) من المرض في فرنسا يشكو من نقص في التمويل وهذه المرافقة الصحّيّة منعدمة في حوالي 26 ولاية أو محافظة فرنسيّة. فما  هو مصير  هؤلاء المرضى؟ أليس لهم الحقّ في طلب إنهاء حياتهم؟ ألا يحقّ لهم إيقاف آلامهم والموت
في سلام؟

ينصّ مشروع القانون حول " حقّ إنهاء الحياة بطريقة حرّة واختياريّة"على حقّ المريض الذي يعاني من مرض عضال ومن آلام (نفسيّة كانت أو جسديّة) لم يعد قادرا على تحمّلها في أن يطلب إنهاء حياته. ويقوم أطبّاء ثلاثة بدراسة طلبه وفي حال الموافقة عليه فإن العمليّة تتمّ تحت إشراف طبّي تام.

تعالت الأصوات وتصادمت الحجج بين مناصري هذا المشروع ومعارضيه في البرلمان والاستديوهات وتململ المجتمع الفرنسيّ مرّة أخرى حول هذا الموضوع الحسّاس الذي يتشابك فيه معاناة المرضى وعائلاتهم وعجز الأطبّاء عن علاجهم وعن التخفيف من آلامهم وكذلك أخلاقيّات مهنة الطبّ.

من المؤكّد أن السماح ب "الموت الرحيم" وتقنينه ليس بالأمر الهيّن وأنّ المخاطر عديدة خاصّة تلك المتعلّقة بطرق استعمال هذا الحق. الموضوع شائك بالفعل ولكنّ ذلك لا يجب أن يمنع المشرّع من النظر فيه والمجتمع من التحاور حوله لأنّ الدافع من ورائه إنسانيّ بحت و لأنّ للفرد الحقّ في التصرّف في جسده كما يتصرّف في كلّ ما يخصّه.

 

يتحجّج بعض الرافضين "للموت الرحيم" بأنّ واجب الطبيب وجوهر مهنته هو علاج الناس وإنقاذ حياتهم لا تسهيل الموت عليهم. ولا يمكن لأحد يمكن أن يعارض ذلك ولكن إذا كان الطبيب نفسه هو من أقرّ بعجزه عن العلاج وبأنّ المرض قد فتك بالمريض وسيؤدّي به لا محالة إلى الموت، فما العمل؟ وفي هذه الحالات ليس طبيب واحد هو من يقرّ بذلك بل ثلّة من الأطبّاء.
ولنا أيضا أن نتساءل عن سبب هذا التمركز حول رأي الطبيب وسلطته في اتخاذ القرار؟ أليس للمريض رأي؟ أليس له الحقّ في التصرّف في جسده؟ له الحقّ أن يرفض العلاج فلماذا لايمنح الحقّ في أن تتمّ مساعدته ليموت في سلام بأسرع الطرق وأقلّها عذابًا له؟

كما أنّ مشروع القانون الفرنسي الجديد لا يجبر الطبيب على القبول بتنفيذ "الموت الرحيم" إن لم يكن راغبا في ذلك ولكنّه على الأقلّ ينصف المريض المحتضر ويتعامل معه كمواطن يتمتّع حريّة التصرّف في ذاته وفي جسده بإرادة واعية وصريحة.

 أمّا بالنسبة لمن يعارض هذا الحقّ باسم الدين ويقول أنّ الحياة والموت بيد الله وهذا لا شكّ فيه بالنسبة لمؤمن(ة) مثلي ، فيمكن الردّ
عليه بأّنّ تشخيص الحالة الصحيّة في الحالات المعنيّة بمشروع القانون يؤكّد بأنّ الموت حتميّ وأنّ الوقت سيطيل المعاناة فحسب ولكنّه لن يعطى فرصة للشفاء. إذن، ماالذي يبرّر هذا الرفض البات لفكرة  "الموت الرحيم"  ،فالله قد أخذ قرار إنهاء حياة ذلك الشخص المريض. ليس هو ومن يساعده على الموت من يأخذان قرار إنهاء الحياة بل أنّ القرار الأصلي يظلّ إلاهيّا صرفا، يقتصر دورهما على الإيجاز في مدّة المعاناة والمهانة فقط. الموت الرحيم لا يمسّ من عظمة الذات الإلاهيّة واحتكارها للحق الأصلي في منع الموت أو الإذن به.

وأظنّ أنّ الفرق بين من يتحجّج بالدين لرفض فكرة "الموت الرحيم" ومن يقبلها وإن كان مؤمنا بالله هو فرق في زاوية النظر.
 فإن كنّا ننظر إلى المريض كمخلوق له خالق وهبه الحياة فإنّنا سنعتبر أنّ ليس له الحقّ في أن يقرّر الموت ومن هنا يأتي منع الانتحار في الديانات السماويّة. للمخلوق القدرة على يقوم بعمل من شأنه أن يؤدّي إلى موته ولكنّ ذلك من المنظور الديني، لا يسند إليه الحقّ في قتل نفسه. أمّا إذا نظرنا إلى المريض كمواطن وهو المفروض أن يكون في كلّ بلاد ديموقراطيّة تفصل بين الدين والدولة، فإنّه يمكننا اعتبار الحقّ في "الموت الرحيم" حقّا منبثقا عن حقوق المواطنة، لأنّ حرّيّة التصرّف في الجسم هي حرّيّة شخصيّة. فإن كان الانتحار أو محاولة الانتحار لا تعتبر جريمة لأنّ الشخص المنتحر يلحق الضرر بنفسه ولا يضرّ بغيره فلماذا يمنع "الموت الرحيم" وهو بمثابة طلب  للمساعدة على الانتحار؟

فكّرت وأنا أتابع النقاش السياسيّ والمجتمعيّ الذي أثاره مشروع القانون بفرنسا، في عالمنا العربيّ وهو أبعد ما يكون عن هذه النقاشات، لا لما نتّسم به من "رقيّ أخلاقيّ" أولسعينا الحثيث إلى الحفاظ على حياة مواطنينا ومواطناتنا، فنحن شعوب من الأموات-الأحياء ، نعاني من الفقر والخصاصة والجهل والقهر والعنف، إلخ... بل لأنّ الفكر الديني المحافظ لازال مسيطرًا على مجتمعاتنا ولأنّنا كذلك لا نمتلك الحقّ في العيش بكرامة .....فكيف لنا إذن أن نفكّر في الموت بكرامة؟؟

أُضيفت في: 18 أبريل (نيسان) 2021 الموافق 5 رمضان 1442
منذ: 6 شهور, 9 أيام, 20 ساعات, 53 دقائق, 23 ثانية
0
الرابط الدائم
موضوعات متعلقة

التعليقات

125409
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟