”الرجل الذي باع ظهره” من أجل وهم الحريّة؟

”الرجل الذي باع ظهره” من أجل وهم الحريّة؟
فاتن فرادي
2021-05-03 15:17:38

 

تمّ اختيار فيلم "الرجل الذي باع ظهره"  للمخرجة التونسيّة كوثر بن هنيّة من بين الأفلام المتنافسة على لقب أفضل فيلم روائي طويل أجنبي  في الدورة 93 للأوسكار. هذا وقد حصد جائزتين في الدورة 77 لمهرجان البندقيّة السينمائي منهما جائزة أردزونتي لأفضل ممثّل للمثّل السوري يحيى محايني وهو بطل الفيلم وجائزة الملك أوديب للإدماج.

ابتدأ عرضه مؤخّرا في قاعات السينما  في تونس وفي الولايات المتحدة الأمريكيّة ومن المتوقّع أن يحقّق نجاحا مبهرا.

هذا الفيلم  يتميّز بحبكة دراميّة  محكمة وجمال لقطاته التصويريّة والإضاءة التي كثيرا ما تسافر بنا بين الحلم والواقع واستعمال حسن للموسيقى لخدمة السياق الدرامي، وتألّق الممثّلين والممثّلات في أدائهم  ولا سيّما يحيى محايني الذي لعب دور سام  وعبّر بصدق صارخ وبراعة عن تناقضات هذه الشخصيّة وحساسيّتها، لكن ما يجعل هذا الفيلم رائعة من روائع السينما، من وجهة نظري.  هو التناول الفريد من نوعه والجديد لموضوع حريّة الإنسان، وبالتحديد الإنسان العربي الذي يعاني من قيود عدّة على حريّته في التنقّل. فهل أنّ الحرّيّة تختزل في ذلك وهل أنّ الحصول على حرّيّة التنقّل يستحقّ التفريط في حرّيّة التصرّف في الجسم والذات؟ وماهو معنى الحرّيّة أصلا؟ تتعدّد الأسئلة ويحاول الفيلم تقديم أجوبة لها.

قد تبدو فكرة الفيلم بالنسبة للمشاهدين العرب مفاجئة وجديدة فهو يروي قصّة سام علي، شاب سوري يهرب من سوريا إلى لبنان أيّام الثورة السوريّة، ثمّ يعقد اتفاقا مع فنّان بلجيكي يدعى دجافراي بمقتضاه يرسم هذا الأخير وشم تأشيرة شنغن على ظهره ويعتبره لوحته الفنّيّة التي تعرض أينما شاء وذلك مقابل جانب من الأرباح وخاصّة مقابل تمكين سام من السفر إلى ببلجيكا حيث تعيش حبيبته والإقامة بها وكان ذلك هدفه الرئيسي.  

هذه الفكرة مستوحاة من قصّة حقيقيّة اتفق فيها الفنّان  البلجيكي ويم دلفوي Wim Delvoye مع الشاب السويسري تيم شتاينر Tim Steiner   على أن يستعمل ظهره كلوحة فنيّة تحمل وشما . وقد سمّيت تلك اللوحة الفنيّة الحيّة "تيم، 2006".

الوشم في هذا الفيلم ذو دلالة وأهميّة كبيرة لحامله على عكس ما كان في حالة تيم شتاينر. فهو هو عبارة عن تأشيرة شنغن كان سام يريد الحصول عليها للالتحاق بحبيبته ببلجيكا ويطمح إلى الحصول عليها العديد من الشبّان العرب ولكنّهم يواجهون صعوبات عديدة في ذلك لأنّهم لم يولدوا في المكان الصحيح.  وهو ما يمثّل قضّيّة محوريّة في الفيلم : حرّيّة التنقّل للشبّان العرب الذين (قال سام لدجفراي عندما أجابه  أنّه بلجيكي " أنت ولدت في الجزء الصحيح من العالم.")

يخاطب الفيلم أساسا عقل المتفرّج ولايتوجّه إلى قلبه إلّا أحيانا عندما يريد تسليط الضوء على إنسانيّة بطله الرئيسي سام علي ولا سيّما في الجزئين الأوّل والأخير من الفيلم.

فهو يدعو إلى التفكير لا إلى البكاء والتأثّر، التفكير في ماهية الحرّيّة وارتباطها بحرّيّة التنقّل، برخاء العيش، بما هو مادّي، بالحبّ
 و بكرامة الإنسان وحقّه في التصرّف في جسمه وذاته.

يكون انطلاقه من بيئة سوريّة في زمن الثورة وتتمّ الإشارة إلى قساوة الوضع في سوريا آنذاك ب"خفّة" معبّرة ، دون إطناب ودون دراميّة، فيكفي مشهد  كذلك الذي صوّر في الزنزانة عندما تمّ القبض على سام، زنزانة مظلمة مكتظّة بالرجال الجالسين على الأرض والملتصقين ببعضهم البعض للتعبير عن فظاعة الظروف التي يعيشها المساجين. ثمّ تنطلق رحلة الهرب فالرحلة الرئيسيّة وهي رحلة البحث عن الذات، عن الحريّة، عن الحب.

"الرجل الذي باع ظهره" هو فيلم التناقضات وهي الطريق إلى التساؤل وإلى اليقين. وبدأ التناقض  من العنوان ، فكيف لشخص أن يبيع ظهره وهو جزء من جسده إلّا إذا باع نفسه كاملا؟ وهل يمكن له أن يبيع نفسه؟
هذا ما فعله سام عندما قبل أن يتحوّل إلى لوحة فنّيّة تعرض وتباع . تمّ تشييئه فتحوّل من إنسان إلى قطعة فنيّة وسلعة تباع لمن يدفع. ومن بين  المشاهد الصادمة كان ذلك الذي يصوّر حدثا إعلاميّا نظّمه رجل أعمال اشترى سام وكان يتباهى بذلك في مقابلة صحفيّة وبدا  حديث مسؤول التأمين أكثر فظاعة إذ كان يتعامل مع ظهر سام وسام نفسه كقطعة فنّيّة عاديّة دون روح بشريّة.

عدّد أسباب موت سام  الممكنة وكان كلّ ما يهمّه هو تفادي "تلف "اللوحة أمّا حياة سام فلا قيمة لها. فإن توفّي بمرض السرطان فذلك ليس بالخطير، أمّا إذا كان ضحيّة انفجار في بلده فذلك كارثيّ لأنّ اللوحة ستتلف.
 وتندرج في نفس هذا السياق، مشاهد ظهور بثرة على ظهر سام وحالة الهلع التي عاشها الفنّان، خالق اللوحة والمتحكّم فيها ، دجفري جودفروا ووجود كلّ من سام ودجفري وفريق الأطبّاء مجتمعين في قاعة تشبه قاعة العمليّات لفقع تلك ال بثرة الصغيرة التي كادت تحدث ضررا باللوحة فتعطّل عرضها. تشييء الإنسان بدا في أوجه.


والشيء لا ينطق، لا يعبّر عن رأيه ولا يتفاعل مع الآخرين. لذلك لم يكن لسام الحقّ في التفاعل مع جمهوره خلال عرضه  في  المتحف وليم يكن له الحقّ في رفض مواعيد العروض وأماكنها. وبالرم من كلّ ذلك، ظلّ في داخله إنسانا وحفاظه على إنسانيّته هو ما مكّنه من بلوغ المعنى الحقيقي للحرّيّة و التحرّر من التشييء الذي قبله على نفسه باسم الحرّيّة. حرّيّة زائفة أو مجرّد سراب حرّيّة.

ثنائيّة متناقضة أخرى هي بين الظاهر والباطن. في الظاهر، سام علي تحصّل على تأشيرة شنغن وتمكّن من السفر إلى بلجيكا حيث تعيش حبيبته عبير التي تجوّزت من مسؤول دبلوماسي سوريّ لتتمكّن من مغادرة سوريا.كان هدف سام أن يلحق بها ويخلّصها من براثن ذلك الزواج ويستعيدها. فكان السفر والحبّ معرّفين لحرّيّته. في الظاهر، كان يعتقد بأنّه حرّ حتّى أنّه لم يصغ لممثّل جمعيّة اللاجئين السوريّة في بلجيكا الذي  عرض عليه المساعدة وقال له أنّه مستغلّ وأنّ كرامته منتهكة، بل أنّه أجابه بأنّه في رغد من العيش، ليس مستغلّا وأنّه حرّ في بيع ظهره أو مؤخّرته" أبيع ظهري، أبيع طيزي، أنا حرّ."

لنا أن نتساءل هنا إن كان للإنسان الحقّ في أن يبيع نفسه وهل أنّ العبد إن قبل بعبوديّته أصبح حرّا؟؟ والإجابة هي بالنفي وهو ما توصّل إليه سام بعد رحلة اكتشف خلالها أنّ المال وحرّيّة التنقّل لا يكفيان لتحقيق حرّيّته وأنّ الحبّ وحده لا يحرّر. لم يتحرّر فعلا إلّا عندما استعاد ذاته وافتكّ من العقد الذي كان يربطه بالفنّان دجفري. استعاد إنسانيّته وولد من جديد بعد أن مات أو بالأحرى بعد أن تظاهر بالموت بمساعدة دجافري. اظطرّ ليموت كي يعيش. روّج لخبر قتله من طرف داعش فور عودته إلى سوريا وبذلك افتكّ من التزامه التعاقديّ وتمكّن الفنّان بفضل خدعة علميّة أن يصنع لوحة تبدو متكوّنة من النسيج الجلديّ لسام وأن يعرضا في المتحف. وبذلك خرج الطرفان، اللوحة الفنّية (سام)وخالقها (الفنّان  دجفري جودفروا) من هذه الرحلة بأقلّ الأضرار لهما وباحترام ظاهريّ للعقد. خرجا من المنظومة "السيستم" المبنيّة على مقاربة تجاريّة بحتة لكلّ مكوّنات واقعنا  بما في ذلك الإنسان ، بخدعة تحترم في ظاهرها "السيستم". هذا الفيلم زاخر بالأفكار الفلسفيّة;هو سهل الفهم في ظاهره ولكنّك كلّما تعمّقت فيه أكثر وتأمّلت فيه كلّما اكتشفت معان ورؤية نقديّة جديدة .

وتبادر إلى ذهني وأنا أفكّر في تشييء الإنسان من خلال تحويل سام إلى لوحة فنّيّة أنّ تحويل الإنسان إلى شيء يباع ويشترى ليس بالجديد على الإنسانيّة حتى في الفترة المعاصرة. أليس استغلال العاملين وعدم دفع أجور مناسبة لعملهم وتعبهم وتشغيلهم في ظروف لا تحفظ كرامتهم الإنسانيّة تشييئا لهم؟ أليست الدعارة من منظور ما عمليّة تجاريّة موضوعها جسد المومس؟ أليس ذلك تشييئا لها؟ فما الجديد بالنسبة لحالة سام؟ هل أنّ تحوّله إلى لوحة فنيّة يجعله أفضل حالا من العاهرات مثلا؟ هذا ربّما ما اعتقده سام في البداية ولكنّه سرعان ما أدرك الحقيقة.

و من أهمّ المحاور التي تناولها الفيلم كذلك من خلال ثنائي سام ودجفري هي علاقة الفنّان بمخلوقه الفنّي وبالفنّ عامّة.
فدجفري هو من اقترح على سام أن يرسم الوشم على ظهره ليحقّق فكرة فنّيّة مجنونة خطرت على باله ولكنّه في نفس الوقت قد ساعد سام على السفر وسلّط الضوء على حريّة التنقّل من خلال لوحته مزدوجة الهويّة بين العمل الفنيّ والطبيعة الإنسانيّة. فهل خلق دجفري لوحته الفنّيّة وحرّرها في نفس الوقت كما يفعل الفنّان عادة عندما يضع مولوده الفنّي فيجعله قابلا لكلّ التأويلات والرؤى ويصبح عملا فنّيّا مستقلّا بذاته. فهل هذا ما تمّ مع سام؟ لا لأنّ للمخلوق الفنّي هذه المرّة خصوصيّة فهو بشريّ، ولذلك وجب إحكام السيطرة عليه. هو إنسان له رغبات وإرادة ويمكن أن يفلت من سيطرة خالقه. وهو ما تكرّر في مواقع عديدة من الفيلم إلى حدّ نقطة الذروة في المزاد العلنيّ حيث نزل سام من الركح وتظاهر بتفجير قنبلة، متلاعبا بالكليشه العربي الإرهابي، حتّى يفزع المشاركين في المزاد ويكسر قيوده.

سعى دجفري إلى السيطرة على اللوحة الفنيّة ولم يكن ذلك سهلا وكان ذلك من بين أسباب بيعه لها.

ولكن هل أحبّ الفنّان لوحته الفنّيّة كما حصل لبيغماليون الذي أحبّ التمثال الذي نحته؟

لا لم يحب دجفري سام، ربّما سام هو من تعلّق بدجفري. فقال له هذا الأخير أنّه ليس والده وأنّهما ليسا شبيهين ببجمليون (Pygmalion) الذي وقع في غرام التمثال الذي صنعه جلتي(Galatée) وهي قصّة من قصص الميثولوجيا الإغريقيّة.
هذا هو ظاهر الكلام لكن في الواقع حتّى وإن لم يعشق الفنّان لوحته فإنّه لولا مساعدة دجفري لما تمكّن سام من استعادة حرّيّته.
 للمرّة الثانية يساعده و في هذه المرّة ، مكّنه من تحقيق حرّيّته الحقيقيّة، واستعادة إنسانيّته. لعلّه بذلك قد جسّد أسمى تمظهرات العلاقة الوطيدة التي تربط بين الفنّان ومخلوقه الفنّي، علاقة مبنيّة على حرّيّة هذا الأخير واستقلاله عن صانعه من وهلة خلقه الأولى.
 بدا الفنّان دجفري في هذا الفيلم، المخلّص و المنقذ لسام وكان تدخّله في خطّ سيره منطلقا للرحلة  ثمّ ساهم في إنهائها حتّى تبدأ رحلة جديدة لهذا الشاب العربيّ، مبنيّة على أسس مختلفة، وحتّى يتحرّر المخلوق الفنّيّ تماما ليعود إلى طبيعته الأصليّة: إنسان حرّ.

 

إثر هذه الرحلة التي رافق خلالها المشاهد بطل الفيلم في بحثه عن الذات، عاد الفيلم لمداعبة مشاعر المشاهد فأبكاه تارة باكتشاف سام بتر رجلي والدته في الحرب وهو الذي لم يعلم بذلك ولم يكن ينصت فعلا إلى والدته عند محادثتها بل كان متقوقعا على نفسه ورغباته الأنانيّة. وأفرحه تارة  أخرى عند رؤية سام  وقد غادر بلجيكا صحبة حبيبة قلبه التي تحرّرت بدورها من زوجها ثمّ، صدمه فجأة بمشهد إعدام سام من قبل داعش. ولكن سرعان ما أدخل البهجة على قلبه من جديد عندما اكتشف بأنّها مجرّد حيلة وأنّ سام قد استعاد أخيرا حرّيّته وحبّه.

لا تكفي صفحات لتحليل كلّ أبعاد هذا الفيلم الفنّيّة والفلسفيّة والاجتماعيّة ، فهو يستحقّ مشاهدة أولى وثانية وثالثة للتجدّد قرائته وتزداد متعة مشاهدته.


 


 

 

أُضيفت في: 3 مايو (أيار) 2021 الموافق 21 رمضان 1442
منذ: 9 أيام, 19 ساعات, 6 دقائق, 40 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

125433
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
مقالات
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟