الدراما التلفزيونيّة العربيّة: أيّ تحدّيات؟

الدراما التلفزيونيّة العربيّة: أيّ تحدّيات؟
فاتن فرادي
2021-05-30 18:01:30

تعدّ الدراما المُقدّمة في التلفزيون من أهم الأشكال البرامجية التي تشدّ انتباه الجمهور،ولها وقع كبير عليه.فتتعدّد سنويّا المسلسلات ويبلغ إنتاجها ذروته في شهر رمضان وعادة ما يليه عرض "اجتراري" لمسلسلات قديمة.

ولكن كيف للدراما العربيّة أن تتموقع في هذه الفترة الزمنيّة الزاخرة بالمتغيّرات التكنولوجيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة؟

ولنا ان نتساءل في هذا الإطار عن دور الدراما في، ظل التحديات التي يعيشها العالم العربي. فلا شكّ أنّها تساهم بجميع أنواعها (اجتماعيّة، كوميديّة، تاريخيّة...)
في الترفيه عن الجمهور المشاهد الذي يعتبرها منفذا لعالم جديد ينسيه واقعه اليومي لكنّ دورها لا يجب أن يقتصر على ذلك بل إنّ عليها أن

تسلّط الضوء على آفات المجتمع وأن تساهم في تطويره نظرا لما تتميّزبه من قوّة تأثير على الوعي العام. وكثيرا ما تتناول ظواهر  تنخر النسيج الاجتماعي وتهدّد التعايش السلميّ كالإجرام والتطرف والإرهاب غير أنّنا نلحظ غياب مواضيع جوهريّة أخرى لا يتوقّف عليها حاضر شعوبنا العربيّة فحسب وإنّما مستقبلها كالتغيّر المناخي وشح المياه مثلا.

وقد بدأت أنواع جديدة من الدراما بالانتشار في سوق الإنتاج العربيّ لعلّها تكون مناسبة لهذه المحاور التي قد تبدو غير مرتبطة بالواقع الآني ولكنّ تداعياتها خطيرة على المدى المتوسّط والبعيد، وهي دراما الخيال العلمي ودراما الرعب.

يمكن للدراما كذلك أن  توجّه أنظار المشاهدين والمشاهدات نحو رهانات مستقبليّة يجب الاستعداد لرفعها منذ الآن كتلك المتعلّقة بالعلوم، وأن تكون محفّزا للإيمان بقدراتنا وقاطرة للتطوّر . ولعلّ استكشاف الفضاء و الإمكانيّات التي يمكن أن يوفّرها للإنسان يندرج في هذا المضمار.

فذلك لا يجب أن يظلّ حكرا على القوى العظمى التي تقتن الترويج لاكتشفاتها وإنجاتها من خلال الدراما.  ومن المبادرات السبّاقة في هذا الإطار أوّل مسلسل حول الفضاء يتمّ إنتاجه في مصر. وهو ما يعدّ خطوة ايجابية جدا تساهم في نشر ثقافة علوم وتكنولوجيا الفضاء وتدفع الجمهور من الصغار والكبار للاهتمام بها. 

هذا وأنّ للدراما دور حيويّ في نقل القيم والمبادئ السويّة ومن المفترض أن في نشر القيم الحسنة وتفادي القوالب الجاهزة والصور النمطيّة واعتماد مقاربة إدماجيّة. إذ أنّ الدراما بكافة أنواعها وأشكالها هي أكثر الأشكال الفنية التي تساهم في بناء صورة الواقع لدى المتلقّي/ة.

ولكنّ التنميط اللفظيّ والمرئيّ  يسود للأسف في  المسلسلات والأفلام  ومن الأمثلة الدالّة على ذلك تكريس الصورة النمطيّة للمرأة وللرجل في أغلب المسلسلات العربيّة إن لم تكن كلّها. فهي كثيرا ما  تقلّل من شأن المرأة وتقدّم صورة غير صحيحة عنها وتروّج لقيم اجتماعية وثقافية ذكوريّ مساهمة بذلك  في إعادة إنتاج أفكار وعلاقات غير متكافئة بين الجنسين وخلق وعي زائف لدى أفراد المجتمع يجعلهم يتقبلون النماذج النمطية،   هذا بالإضافة إلى إ براز العنف على ا لشاشة بطريقة تكاد تسهم في  إحداث نوع من "القبول" له من طرف الجمهوربل وأحيانا سلوك يمكن محاكاته دون مساءلة.

وحتّى تقوم الدراما العربيّة بالدور الاجتماعي المنوط بها لا بدّ أن تتمتّع بقدرة تنافسيّة عالية يكون عنوانها الجودة والتجديد. وقد شهدت الجودة في السنوات الأخيرة تراجعا يعود إلى عوامل متنوّعة منها طغيان المنحى التجاري البحت وتعثّر عجلة الإنتاج بسبب الظروف المحيطة به.فالدراما السوريّة على سبيل المثال عاشت انهيارا بسبب الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد بالإضافة إلى الأزمة الثنائيّة على الصعيدين الإنتاجي والفني ومن بين أسبابها خسارة طاقات فنية من كتّاب وممثلين وفنيين، بسبب مغادرتهم سوريا ، وغياب الموارد المالية سوق العرض المحلي.

ولا يمكن ألّا نشير إلى ظاهرة حديثة قلبت كلّ الموازين من حيث الإنتاج والمشاهدة والجودة ألا وهي المنصّات الرقميّة وعلى رأسها نتفليكس.وهو ما يمثّل خطرا على الدراما التلفزيونيّة وفي ذات الوقت وعلى عكس التوقّع، فرصة للدراما العربيّة كي تستفيق من سباتها وتحسّن من جودتها وتطوّر من أساليبها وأنماطها كي تتناسب أكثر مع ميولات شقّ كبير من المشاهدين/ات أضحى يحبّذ مشاهدة الفيديوهات عند الطلب ويطمح إلى دراما عربيّة قادرة على منافسة نظيراتها الأجنبيّة من حيث جودة الحبكة والكتابة والصورة والصوت والتقنيات المستعملة والأداء.

فقد فرضت المنصّات الالكترونيّة على الدراما العربية التطوّر لتنسجم مع طلب السوق الذي يعتمد اليوم على القصة بحدّ ذاتها، وعلى النوعية السينمائية في التصوير والإخراج، أكثر من الاعتماد على أسماء النجوم الكبيرة كما كان يحدث في السابق.فما كان يعرض على التلفزيونات لم يكن يشدّ الشباب الذي هجرها إلى تلك المنصّات. واستطاعت "نتفليكس" فرض نمط وأساليب درامية جديدة على صعيد النوعية في التصوير والاخراج والصوت والقصة، وبذلك قدّمت نموذجاً مغايراً للدراما العربية المعهودة التي عوّدتنا على قصص الحب والخيانة والمشاكل العائلية. وفتحت نتفليكس  الباب لبروز منصات عربيّة  مثل “شاهد” السعودية و “ووتش إيت” المصريّة.

تسبّبت هذه المنصّات وفي وقت وجيز، في تغيير قواعد لعبة الإنتاج في العالم العربي فقد  باتت شركات الإنتاج نفسها التي تنتج أعمالاً للتلفزيونات التقليدية، تعمل بمواصفات مختلفة كلياً.ويبدو أن هذه التجارب بدأت تؤسّس "لتيار درامي إلكتروني عربي جديد"، يعتمد أنواعاً حديثة من الدراما المبنية على التشويق والخيال العلمي والغموض، والشكل السينمائي من حيث الدقة والاحتراف في التصوير والإخراج والكتابة والتمثيل، ومن حيث عدد الحلقات التي بدأت تتقلص لتصل الى 8 أو 10 حلقات بحد أقصى.  

وبالرغم من التحدّيات التي تضعها هذه المنصّات أمام الدراما التلفزيونيّة في قوالبها القديمة إلاّ أنّها تمثّل فرصة للدراما العربيّة ككلّ  لا فقط للتجديد والتطوّر بل كذلك لتحقيق انتشار جغرافي واسع لأنّها تفتح لها أسواقا جديدة للدراما العربيّة فالنفاذ إلى المنصّات الالكترونية  أوسع غير أنّ المنافسة فيها أكثر ضراوة ومع أطراف دوليّة عديدة ومتمرّسة في صناعة الدراما كالإنتاجات اليابانية والإسبانية والكورية ، إلخ.

وهو ما يطرح تحدّي تموقع الدراما العربيّة على الساحة الدوليّة.أفلا يجدر ببلداننا العربيّة أن تدعم تموقعها الدوليّ ودبلوماسيّتهاالناعمة من خلال المراهنة على الدراما العربيّة والاستثمار فيها كما تفعل قوى أخرى ومنها تركيا؟ فذلك من شأنه أن ينقل صورة إيجابيّة عن بلداننا العربيّة ويروّج لها كوجهة سياحيّة واستثماريّة. فلو كانت صناعة الدراما جزء ذا ثقل في النسيج الاقتصادي لساهمت لا محالة في النهوض به. لكنّ ذلك لا ينطبق إلّا على مصر وبدرجة أقلّ على سوريا قبل 2011 وكذلك لبنان. لابد من تفعيل هذا الدور في باقي العالم العربية ومن إيجاد حلول هيكليّة لمشكلة تمويل الإنتاجات الدراميّة كي تكون قادرة على الاستمرار والتطوّر . باستثناء مصر، ليس هناك صناعة دراميّة راسخة ومستقلّة ذاتيّا في جميع البلدان العربيّة  وليس لأغلب الدول العربيّة تصوّر عام لتطوير الصناعة الدراميّة. وعندما يكون الإنتاج رهين دعم الدولة، فإنّه مهدّد بالتوقف في أيّ وقت وفي نفس الوقت مكبّل  وهو ما قد يهدّد استقلاليّته لا فقط المادّيّة وإنّما كذلك فيما يخصّ رؤيته الفنّيّة و طرح للمواضيع الذي يتناوله الإنتاج.


ولا يمكن أن تكون الدراما العربيّة قادرة على التنافس مع نظيراتها الأجنبيّة إلاّ إذا واكبت التطوّرات التكنولوجيّة الحديثة.
ومن أحدث التقنيات الرقمية المستخدمَة في الإنتاج الدرامي على المستوى الدولي، تقنية الـواقع المختلط(Mixed reality) ، والواقع المعزَّز ( Augmented realty) والواقع الافتراضي (Virtual reality). وتعدّ كذلك تقنية الإنتاح الافتراضي  (Virtual production) من أبرز الإنتاجات التي من شأنها أن تحسّن عمليّة الإنتاج وتجعلها أكثر سرعة ونجاعة. وقد استفاد منها العديد من صنّاع الدراما في العالم خاصّة في ظلّ أزمة الكورونا إذ أنّها قد مكّنتهم من تفادي التنقّل إلى مواقع تصوير في وقت عطّلت الإجراءات المفروضة بسبب الجائحة حركة فرق التصوير.  كما أنّ تقنية التخزين السحابي  ساهمت بفاعليّة في تسهيل العمليّات المرتبط بمرحلة ما بعد الإنتاج وتمكين العاملين على التركيب من إنجاز عمل جماعي وسريع بغضّ النظر عن موقعهم الجغرافي. 
 

تتعدّد إذن التحدّيات التي تواجهها الدراما العربيّة ومن بينها الرسالة الاجتماعيّة التي يمكن أن تؤدّيها والدور الإدماجي والمقاوم للنمطيّة الذي يجب أن تلعبهوكذلك ضرورة إيجاد حلول هيكليّة واستراتيجيّة للتمويل. هذا بالإضافة إلى المراهنة على الجودة و العمل على الرفع من قدرتها التنافسيّة.
فهل هي جاهزة للعمل على رفع هذه التحدّيات؟


فاتن فرادي

 

أُضيفت في: 30 مايو (أيار) 2021 الموافق 18 شوال 1442
منذ: 3 شهور, 21 أيام, 1 ساعة, 42 دقائق, 38 ثانية
0
الرابط الدائم
موضوعات متعلقة

التعليقات

125456
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟