من أرشيف الوطن

من أرشيف الوطن
الدكتور مصطفي عبد القادر
2018-11-22 13:03:35

 

(أبو صالح)ابن دير الزور(المكدع) لم يكن يجيد القراءة والكتابة، لكنه بزَّ الكثير الكثير من حملة الشهادات العليا بحسه الوطني، ووعيه القومي، وحضوره الاجتماعي اللافت.

في عام 1956 إبان عمله في شركة نفط العراق(المحطة الثانية) وقع العدوان الثلاثي على مصر-إسرائل،فرنسا،إنكلترا- حينها كانت القومية العربية تغلي في مراجل النفوس، وبخارها يتصاعد ليقبل حواف الغيوم..

استاء (أبو صالح) من ذلك العدوان الباغي على مصر مثله مثل أي عربي غيور على أمته.. لم ينم ليله، لاجت روحه.

وتحت ضغط الحاجة التقط ذهنه فكرة أضمرها في نفسه، وسافر إلى دمشق طالبًا مقابلة السفير المصري، وبعد وقوف طويل، وإلحاح سمح له بلقاء سفير مصر آنذاك المرحوم محمود رياض، الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجي،ة ثم أمينا عاما لجامعة الدول العربية.

- أهلا وسهلا.. إيه هي حاجتك؟

- أنا مواطن عربي سوري..اسمي عبدالقادر مهيدي الصالح من أهالي ديرالزو، أعمل في شركة نفط العراق(المحطة الثانية).

- على الرحب والسعة.. تشرفنا.. أيوها خدمة؟!

- لم آت لخدمة شخصية، بل جئت لسعادتكم كي أعرض عليكم أمرًا هامًا أقلقني التفكير فيه، وأرجو أن أكون مصيبًا.

- إيه هو الأمر ده؟اتفضل اتكلم.

- العجب العجاب ياسعادة السفير أننا نحن من يزود طائرات العدو بالوقود ليقصف بها مصر، ويبيد شعبها.

- الله.إزاي؟ ياريت توضح أكتر.

- إن النفط المستخرج من العراق يمر عبر الأنابيب فوق الأراضي السورية، ثم يصدر عن طريق البحر إلى أوربا وعلى رأسها فرنسا وإنكلترا.هذا يعني أن طائرات العدو تتزود بوقودنا ونحن نساهم في قصف الشعب المصري، لذا جئت أقترح على سعادتكم تفجير أنابيب النفط في المحطة الثانية لأجل قطع إمداد العدو بالوقود وهذا أضعف الإيمان...

صمت السفير....فكر مليا...حدق في وجه (أبو صالح) الأسمر،وقامته المديدة...أجابه

_ بداية أنا بشوف إنو الفكرة ممتازة.وعجبتني .بوعدك إني حعرضها على حكومتي لأنها هي صاحبة القرار،وانشالله ربنا يكتب اللي فيه خير.إديني عنوانك بالتفصيل لو سمحت ربما بحتاجو.

..بعد أيام معدودات تم التنسيق بين الحكومتين المصرية والسورية.. فقامت فرقة مختصة من الجيش بتفجير أنابيب النفط في المحطة الثانية التي تقع في عمق البادية السورية حيث ركام التفجير مازال إلى الآن كما هو.

انتهى العدوان الثلاثي.. تم استدعاء (أبو صالح)للسفارة المصرية بدمشق،فذهب. استقبله محمود رياض استقبالًا حارًا.

وهنأه بوقف العدوان مشيدا بتلك الفكرة مبينا صوابيتها وجدواها.....تناول السفير من درج طاولته مظروفا مختوما قدمه (لأبو صالح) قائلًا:

_ده المبلغ عشانك.عشان عيالك بقدمهو ليك بإسم حكومتي أرجو إنك تقبلو.

دمعتان ساخنتان قبلتا وجنتي (أبو صالح)..حدق في السفير..خاطبه بحرقة:

-لو تكرمت أعد المظروف إلى مكانه.قوميتي لاتقايض بالمال ياسعادة السفير،فأنا لست بحاجة للنقود.

وبعد أخذ ورد أطرق محمود رياض..أسبل يده الحاملة للمظروف.غرز في عيني (أبو صالح) نظرة إكبار وتثمين.

-بكرر شكري ليك مرة تانية بإسم حكومتي وبإسمي شخصيًا...لكن ليا عندك طلب.

-تفضل .ماهو؟

-لو احتجت أيوها خدمة في السنين الجاية اقصدني ماتنكسفش أبدا.حتلاقيني جنبك عشان خاطر عينيك الحلوة دي.

مشى وراءه إلى مدخل السفارة...عانقه..قبله ملوحا مودعا.

*مصطفى عبدالقادر.. د.قانون دولي سوري.. قاص وروائي وصحفي ومسرحي..عضو اتحاد الكتاب العرب(جمعية القصة والرواية).. لديه العديد من المؤلفات القصصية والروائية والمسرحية.

أُضيفت في: 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 الموافق 13 ربيع أول 1440
منذ: 26 أيام, 14 ساعات, 5 دقائق, 35 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

108352
بصمة صلاح لم تغب عن المنتخب
آخر تحديثات
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟