”ستموت في العشرين” ..  وتجليات الليلة الأخيرة .

”ستموت في العشرين” ..  وتجليات الليلة الأخيرة .
2021-01-17 18:10:41

من أحضان العاهره الى جبل الصحابة.. حكاية مزمل بين الأصل الأدبي  والمعالجه المرئيه

 

لا احد يستطيع ان يؤكد على وجه اليقين اذا كان مزمل ابن النورحسين وسكينة النصري في قصة الاديب السوداني حمور زياده "النوم عند قدمَيْ الجبل" قد مات في العشرين استنادا الى نبوءة المجذوب الصوفي الذى كان يصاحب موكب خليفه الشيخ أبو عاقله في طريقه للمدينة ومعه أربعين من اتباعه ومجاذيبه  , حيث استقر به المقام في باحة الجامع الكبير,  وكان له ان يقرر ان مزمل سيموت عندما يبلغ العشرين من العمر ,  بعد ان قام ب ( تحنيكه )اى ترطيب فمه بريقه يوم مولده . فالقصة الأدبية تنتهى عندما قضى مزمل ليله ساخنه مع احدى بغايا حي العبيد واثبت فيها فحولته، وحقق فيها رجولته، وكسر فيها طوق الموت الذى يخنقه منذ عشرين عاما من اجل ان تنتصر في النهاية أراده الحياه . ولااحد يعرف على وجه اليقين ماذا فعل مزمل عندما ذهب منتشيا حيث مقابر القرية ليحفر قبره بنفسه عند قدمي جبل الصحابة وربما جبل الهموم والسكون والجمود والتخلف الذى تراكمت رماله وصخوره عبر مئات السنين. هل مات مزمل ليقدم بموته قربانا للموت ليضيف ضحيه جديده مستسلما لواقع موبوء؟! ام انه باختياره قبره وطريقه موته قد حقق انتصار الحياه رغم الموت ؟! وهل حقق كاتب الأصل الأدبي ثم صاحب المعالجة المرئية امجد أبو العلا في ( ستموت في العشرين ) اختراقا مطلوبا لنقد موروث القرية الصوفي الذى وصل به الامر الى التنبؤ بأعمار الناس ومواعيد موتها مع تصديق الناس لتلك النبوءات .؟! وفى لحظه التنوير التي وصل لها مزمل في النهاية , هل يمكن القول ان الكاتب والمخرج استطاعا ان يقدما نقدا مطلوبا للفكر الصوفي , وللفكر الديني بشكل عام, وهو ما أدى الى التردد اكثر من مره لعرض الفيلم في صالات العرض السودانية مع  التهديد أحيانا  بحرق الصالات التي يعرض فيها الفيلم الذى حاز على تكريم خاص باستحقاقه جائزه اسد المستقبل لمهرجان فينسيا , ثم نجمه الجونة , وتانيت قرطاج الذهبي , هذا غير العرض والتقدير وبعض الجوائز الأخرى في العديد من المهرجانات والملتقيات السينمائية العربية والعالمية  , وحتى ترشيح السينما السودانية له للحصول على جائزه الاوسكار كأفضل فيلم اجنبي ؟. قبل الإجابة على الأسئلة والتعرف على الفيلم من المهم ان نقترب قليلا من الصوفية والفكر الصوفي في السودان    .                                                                

------------

يروي الشيخ محمد النور ود ضيف الله في كتابه "الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان"، أن مريدي الشيخ القدال ود إبراهيم عبودي قالوا له: يا سيدي نريد منك أن ترينا الطيران في الهواء فطار بعنقريبه، أي (بسريره) في الهواء !!      .

وذكر في الكتاب أيضا ان الشيخ المسلمي الصغير كان لا يرضع في رمضان إلا ليلاً، وعندما مات كان يجيب على الناس من قبره. !! أما الشيخ إسماعيل صاحب الربابة فقد تكلم في المهد، وكانت الربابة تضرب وحدها فتطرب لها الحيوانات والجمادات !!، وكان الشيخ إذا استبدّت به النشوة والجذب، يجمع الصبايا والعرائس للرقص في فناء داره، ويعزف لهن ربابته التي كانت لكل ضربة منها نغمة يفيق بها المجنون، وتذهل منها العقول , وكانت إذا تركت في الشمس تحس بإقتراب صاحبها منها فترسل إليه أنغامها دون أن يضرب عليها أحد !!                   

هذه القصص وقصص أخرى كثيرة يتداولها السودانيون تعبّر عن نظرة المجتمع السوداني الخاصة إلى الدين، من خلال تعاليم الطرق الصوفيّة، ونظرته إلى شيوخ الصوفية من خلال معجزاتهم وخوارقهم، فكلما قدّم الشيخ المزيد منها كلما زاد عدد مريديه واتباعه ,              

ويؤرخ الكتاب لحوالي 270 شيخاً صوفياً عاشوا في فترة مملكة سنار (1505-1821)، وهي الفترة التي انتشر فيها الإسلام على نحو أوسع في السودان. ولا توجد إحصاءات دقيقة حول عدد أتباع هذه الطرق ومُريديها، لكنّهم على الأرجّح يُمثّلون نحو 80% من إجمالي عدد السكان في البلاد البالغ 40 مليون نسمة.                                                                                         

وكانت اضاءه لابد منها .

-----------------

في فيلمه الذى اعتمد على قصه حمور , وكما جاءت المعالجة المرئية , اعتمد المخرج الذى يقدم تجربته الروائية الطويلة الأولى , بمساعده كاتب السيناريو الإماراتي يوسف إبراهيم على المحاور الرئيسية في الأصل الأدبي بعد حذف يعض الاحداث ,واحيانا تعديلها , ثم اضافه احداث جديده . فشخصيه الحاج سليمان الذى يعود إلى القرية بعد العمل لفتره طويله كسائق في شركه الأسمدة في العاصمة تتحول الى شخصيه مصور سينمائي سكير حظى بالتواصل مع بعض مظاهر الحضارة، وانتهى به الامر في بيت في اطراف القرية وهو يقضى يومه بين شرائط الأفلام القديمة، واحلامه الضائعة، واحيانا بن أحضان عاهره القرية التي ضيعت عمرها بجانبه . وربما أراد امجد ( المخرج ) ومعه يوسف ( كاتب السيناريو ) ان تكون شخصيه سلمان معادلا للشيطنة المطلوبة لغواية مزمل للخروج من تابوت نبوءة موته المعلن , وقد نجح سليمان بالفعل ان يضع قدم مزمل على بداية طريق الغواية عندما جعله يشاهد هنومه وهى تتلوى بجسدها المثير , وربما كانت ( شخصيه سليمان ) معادلا لحلم التنويرالسودانى والعربي الذى انكسر باعتبار ان كل هزيمه عسكريه يسبقها هزيمه المثقفين . وربما ( ثالثه ) أراد امجد ويوسف ان يقدما معادلا لصوره المثقف العربي الذى اصبح يعيش منزويا على هامش الحياه غارقا في ماضيه , غائبا عن حاضره , ولايملك سوى ذكرياته الجميلة عن عصر مضى ولن يعود عندما نرى شريط الصورة تتداخل معه بعض لقطات من فيلم ( باب الحديد ) ثم لقطات من فيلم ( الخرطوم التسجيلي ) لرائد السينما التسجيلية السودانية جادالله جباره . وشريط الصوت يقدم لنا مقاطع من اغنيه ( لا مش انا الى ابكى ) لمحمد عبد الوهاب و( دخلت مره جنينة ) لاسمهان  .                                                                                                        

في الأصل الأدبي تجنب الكاتب السوداني حمور زيادة الصِّدام المباشر مع الموروث الصوفي وجموده وتأثيره على اهل القرية عبر شخصيةٍ مستنيرةٍ , وانما لجأ الى رسم شخصية "الحاج سليمان “كشخصيه غير متنافرةٍ مع تديُّن القرية كما تعرف عليه مُزَّمِل في مسجد القرية وهو غير مندمج مع دروشة أهلها , وهو يرى أن الإنسان يجب عليه أن يخوض غمار تجربةٍ متحررةٍ من الإحساس بالذنب، وقد نجح الحاج سليمان في الأصل الأدبي , في اجبار مزمل على البحث عن اجابه سؤال مهم : "كيف يعيش للطاعة من لم يَعْرِف المعصية؟! وكيف يأتي إنسانٌ إلى ربِّهِ وليس معه معصيةٌ أو كبيرةٌ؟! ومن المهم القول ان تركيز الصدام مع الفكر الصوفي في الأصل الأدبي جاء بطريقه غير مباشره من خلال الليلة الأخيرة في حياه مزمل عندما ارتكب المعصية الأولى في حياته - مع سبق الإصرار والترصد - في محاوله لضرب النبوءة في الصميم , بعدها لايعرف احد على وجه اليقين هل مات مزمل في نفس الليلة عندما ذهب ليحفرقبره بنفسه عند قدمي الجبل , ام انطلق الى حياه أخرى بعد ان تملك كامل اراداته وتحرر من نبوءة الموت عند العشرين  .                                                                                         

----------

في الفيلم ( السيناريو ) لم نجد صراعا وصداما مباشرا مع الفكر الصوفي المسيطر , بل على العكس كان من الواضح في شريط الصورة ذلك الاحتفاء الدافئ بقدوم موكب خليفه الشيخ واتباعه ومجاذيبه , كما تجنب سليمان ( محمود السراج ) مهاجمه الفكر الصوفي بطريقه مباشره . واختفى النور ( طلال عفيفى ) والد مزمل بعد ولادته ولمده عشرين عاما , معلنا هروبه وترك ابنه فريسه لنبوءة جمدت حياته لعقدين من الزمن . وقد كان متواجدا في الأصل الأدبي منذ البداية وحتى النهاية مساندا لولده , كذلك تم اضافه قصه حب بين مزمل و نعيمه ( بونا خالد ) وهى احدى فتيات القرية لإضفاء جو من الرومانسية والمرح على قصه مغرقه في الرمز والمعاني العميقة عن الموت والحياه .ووجود هذه الإضافة أرى انها مهمه لكسر نمطيه الشخصيات , وإظهار شخصيه مزمل باللعب الدرامي على ثنائيه الموت مقابل الحياه .وتم التأكيد على دور الام القوية التي تتحمل قدر فقدان ابنها وموته كل ثانيه بشجاعة منقطعة النظير, وهو تقدير مستحق للمرآه السودانية بشكل عام . وهنا لانريد ان نربط بين نموذج الام كما يراه المخرج وكما تأثر به في حياته الشخصية , ودراما الرواية والفيلم . وتم اضافه مشهدين لزواج نعيمه وحلقه الزار التي حضرتها سكينه ربما كنوع من تأصيل العادات والتقاليد السودانية وهو حق مشروع وربما لمخاطبه العين الأوروبية التي تهوى التعرف على كل ما هو غريب في الانساق الاجتماعية للشعوب المختلفة . كما تم تغيير النهاية الموجودة في الأصل الأدبي , في الفيلم يذهب مزمل الى عاهره القرية التي تعرف عليها عند سليمان , ويقضى معها ليلته الأخيرة وربما بداية حياه جديده , بدلا من الذهاب الى عاهره حى العبيد    .                                   .

-------------

في الفيلم ( الفن ) الى حد كبير نجح امجد أبو العلا في السيطرة على مفردات لغته السينمائية مع الاستعانة بمصور فرنسي قدم كادرات ولقطات ومشاهد معبره من خلال الرسم بالضوء في أماكن مفتوحه شاسعه وفى الأماكن الضيقة . وهنا نشير الى بعض استلهامات الصورة من أفلام مخرجين شهيرين هما شادى عبد السلام ن فيلم المومياء  ( الممرات الضيقة في بيت مزمل ) والمخرج اليوناني الشهير ثيودوروس انجيلوبولس من ثلاثية  المرج الباكي ( اللقطات العامة لوصول موكب خليفه الشيخ في المراكب النيلية ) . ويأتي شريط الصوت معبرا الى حد كبير عن الحالات النفسية للشخصيات , ,وفى ادارته للممثلين  -الذين يظهر بعضهم للمرة الأولى - اخرج امجد ابو العلا اقصى ماعندهم وكانوا على قدر المسؤولية لتجسيد شخصيات احاديه الجانب عدا شخصيتي مزمل ( مصطفى راشد ) وسكينه النصري ( اسلام مبارك ) .                

----------

في تجربته الروائية الأولى يحقق امجد أبو العلا قدرا لابأس به من النجاح , في التعامل مع نص ادبى صعب , ويحاول جاهدا ان يقول الكثير ’ وهو يمشى على طريق وعر , وشائك من الأفكار والمورثات . واذا كانت خصوصيه التعبير الصوري قد طغت أحيانا على الرسائل المهمة التي كان يقصدها كاتب الأصل الأدبي في بناء روائي متماسك من البداية وحتى النهاية فان المعالجة المرئية ( ستموت في العشرين ) تجربه مهمه في تاريخ السينما السودانية يشكل خاص والسينما العربية بشكل عام وتستحق التأمل والمشاهدة .

                                                          .

أُضيفت في: 17 يناير (كانون الثاني) 2021 الموافق 3 جمادى آخر 1442
منذ: 1 شهر, 7 أيام, 12 ساعات, 42 دقائق, 38 ثانية
0
الرابط الدائم

التعليقات

125284
فنون
آخر تحديثات http://www.algornalgy.com/rss/rss.xml does not exist
تويتر
8 مصريات
آخر تحديثات
حصاد المؤشر العالمي للفتوى في 2019 حصاد قطاع الاتصالات في 2019
حصاد جهاز التفتيش والرقابة في التنمية المحلية خلال 2019
الأكثر قراءة
استطلاع الرأي
هل يستجيب صناع السينما لدعوة الرئيس بالتوقف عن أفلام "العشوائيات"؟