أمريكا وإيران بين الردع والانفجار !!
تشكل التحركات الأخيرة للأسطول البحري الأمريكي في الخليج العربي وبحر العرب مؤشرًا بالغ الحساسية على مستوى التوتر القائم في الإقليم، إذ إن وجود حاملات الطائرات والمدمرات المزودة بأحدث منظومات الدفاع والصواريخ لا يقرأ بوصفه انتشارًا روتينيًا فحسب، بل باعتباره رسالة ردع استراتيجية موجهة إلى إيران وحلفائها. فالتحشيد البحري الأمريكي عبر العقود الماضية كان غالبًا يسبق إحدى ثلاث حالات: ضغطًا تفاوضيًا مكثفًا، أو توجيه ضربات محدودة لإعادة رسم قواعد الاشتباك، أو تمهيدًا لتحول أكبر في معادلات القوة. ومع ذلك فإن الانتقال من استعراض القوة إلى حرب شاملة يظل قرارًا بالغ الكلفة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، ليس فقط على المنطقة، بل على الولايات المتحدة ذاتها.
في هذا السياق، تكتسب زيارات رئيس وزراء العدو الصهيوني إلى واشنطن أهمية خاصة، إذ يرى الكيان الصهيوني في البرنامج النووي الإيراني وفي تنامي النفوذ الإقليمي لطهران تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد. وتسعى القيادة الصهيونية، عبر التنسيق السياسي والأمني مع الولايات المتحدة، إلى ضمان بقاء الخيار العسكري مطروحًا على الطاولة، أو على الأقل استخدامه كوسيلة ضغط قصوى. غير أن الحسابات الأمريكية تبدو أكثر تعقيدًا، فأمن الكيان الصهيوني يمثل عنصرًا مهمًا في صنع القرار الأمريكي، لكنه ليس العنصر الوحيد. فهناك أيضًا أمن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا، واستقرار أسواق الطاقة العالمية، ومخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز حدود السيطرة التقليدية.
من الناحية القانونية والدستورية، لا يتمتع الرئيس الأمريكي بسلطة خوض حرب طويلة الأمد دون غطاء من الكونجرس. فوفق قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، يستطيع الرئيس استخدام القوة العسكرية لفترة محدودة، لكن استمرار العمليات يتطلب تفويضًا تشريعيًا. هذا القيد يعكس حساسية الداخل الأمريكي تجاه الحروب المفتوحة بعد تجربتي العراق وأفغانستان، حيث أظهرت استطلاعات الرأي عبر السنوات تراجع الحماسة الشعبية لأي تدخل عسكري واسع النطاق في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن أي قرار بمهاجمة إيران لن يكون قرارًا عسكريًا صرفًا، بل سياسيًا داخليًا بامتياز.
أما التردد الأمريكي في توجيه ضربة عسكرية شاملة لإيران، فيرتبط بحسابات الردع المتبادل. فقد طورت إيران خلال العقود الماضية منظومة صاروخية باليستية وطائرات مسيرة قادرة، بحسب تقديرات عسكرية متعددة، على استهداف القواعد الأمريكية في الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى منشآت حيوية في المنطقة. كما أن أي ضربة أمريكية قد تدفع طهران إلى الرد المباشر أو غير المباشر عبر حلفائها الإقليميين، ما قد يحول المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات. ومن هنا فإن كلفة الضربة الأولى لا تقاس بقدرتها على التدمير، بل بتداعياتها اللاحقة التي قد تشمل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة، وتهديد استقرار دول حليفة لواشنطن.
في المقابل لا تغيب قنوات التفاوض عن المشهد، فقد لعبت سلطنة عمان في مراحل سابقة دور الوسيط بين واشنطن وطهران، وغالبًا ما جرت الاتصالات غير المباشرة في ظل تصعيد إعلامي أو عسكري، فيما يمكن وصفه بسياسة "التفاوض تحت الضغط". تسعى الولايات المتحدة، وفق ما يرشح من مواقف رسمية وتحليلات، إلى توسيع نطاق التفاوض ليشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي، بينما تؤكد إيران أن أي تفاوض يجب أن يقتصر على ملفها النووي ورفع العقوبات. هذا التباين في جدول الأعمال يعكس جوهر الصراع: هل هو نزاع تقني حول تخصيب اليورانيوم، أم صراع استراتيجي على موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط؟
تدرك واشنطن أن تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي يتجاوز مجرد اتفاق نووي، كما تدرك طهران أن برنامجها الصاروخي وتحالفاتها الإقليمية يمثلان، من وجهة نظرها، جزءًا من منظومة ردع غير تقليدية تعوض بها تفوقًا عسكريًا تقليديًا لخصومها. وبين هذين الإدراكين المتعارضين تتشكل معادلة دقيقة: لا أحد يريد حربًا شاملة، لكن الجميع يسعى لتحسين شروط التفاوض عبر استعراض القوة.
في المحصلة يبدو أن المنطقة تعيش مرحلة "حافة الهاوية" أكثر مما تعيش لحظة اندفاع نحو حرب كبرى. فالتحشيد العسكري قد يكون أداة ضغط لا مقدمة لغزو، والتهديد بالحرب قد يكون وسيلة لانتزاع تنازلات لا قرارًا بحسم عسكري. غير أن خطورة هذه المرحلة تكمن في هشاشة التوازن، فأي خطأ في الحسابات، أو ضربة محدودة تخرج عن السيطرة، قد يشعلان مواجهة أوسع مما ترغب به الأطراف كافة.
وبين البوارج التي تجوب المياه الإقليمية وقنوات الاتصال السرية التي لا تتوقف، وفي ظل تشابك المصالح الدولية والإقليمية، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، ويبقى الشرق الأوسط معلقًا بين الردع والانفجار، وبين منطق القوة ومنطق التفاوض، اللهم بلغت اللهم فاشهد.






