لا تقتلوا حمدين صباحي لأنكم اختلفتم معه !!
تمهلت قليلًا قبل أن أكتب هذه الكلمات، وانتظرت أن تهدأ نسبيًا حملة المدافعين عن حمدين صباحي من رفاقه ومحبيه، لا رغبة في الابتعاد عن الرجل أو التنصل من تاريخه، وإنما حتى أستطيع أن أكتب بعيدًا عن حرارة اللحظة وانفعالها، وأن تكون كلمتي أكثر موضوعية وهدوءًا، وأكثر اقترابًا من القراءة العلمية والسياسية التي تليق برجل وتاريخ بحجم حمدين صباحي. ففي لحظة عربية ومصرية شديدة القسوة، يبدو غريبًا أن ينشغل البعض بمحاولة اغتيال حمدين صباحي سياسيًا، وكأن الرجل ما زال جالسًا على مقعد سلطة ينازعهم عليه، أو يستعد لمعركة انتخابية يريد من خلالها اقتناص موقع أو نفوذ. والحقيقة أن الرجل السبعيني اختار منذ سنوات أن يتراجع عن الصف الأول في صراع السلطة، وأن يترك السياسة اليومية لمن يمارسونها، محتفظًا لنفسه بمساحة المثقف والسياسي صاحب الرأي، يتحدث حين يرى أن قضية وطنية أو عربية تستحق الكلام. ولذلك فإن الحملة عليه لا تبدو، في جوهرها، صراعًا على سلطة؛ وإنما تبدو محاولة لإسقاط رمزية رجل أصبح تاريخه السياسي أطول من أعمار كثير ممن يحاولون اليوم محاكمته.
وحمدين صباحي، لمن يريد أن يتذكر بعيدًا عن ضجيج اللحظة، لم يكن ابنًا للسياسة المريحة. دخل المجال العام من بوابة الفكر الناصري والقومية العربية والعدالة الاجتماعية وهو مازال طالبًا في سبعينيات القرن العشرين، وعرف السجون والملاحقات والصدام مع السلطة في مراحل مختلفة، ولم يبدأ حياته السياسية باحثًا عن وظيفة أو امتياز. ثم خاض تجربة المعارضة والعمل البرلماني، وأسهم في تأسيس الحزب الناصري، ثم حزب الكرامة، ووصل إلى الانتخابات الرئاسية منافسًا على أعلى منصب في الدولة. قد نختلف معه في تقييم مراحل كاملة من تجربته، وقد نرفض بعض مواقفه واجتهاداته، لكن الاختلاف لا يمنح أحدًا الحق في أن ينزع عنه شرف التجربة أو أن يتعامل مع تاريخه وكأنه صفحة يمكن تمزيقها بضجيج إعلامي عابر.
وهنا، تحديدًا، يأتي علم الاجتماع السياسي ليضع المسألة في إطارها الأوسع: المجتمعات التي يشتد فيها الاستقطاب تتحول فيها الخصومة السياسية أحيانًا إلى صراع على السمعة والشرعية الأخلاقية، فيصبح الهدف ليس هزيمة الفكرة وإنما إسقاط صاحبها. وعند هذه النقطة يصبح النقد شيئًا آخر؛ إذ يجري انتقاء لحظة من عشرات السنوات، واجتزاء موقف من سياقه، وتحويل الخلاف السياسي إلى اتهام أخلاقي شامل. وهذا أخطر من الخلاف نفسه؛ لأن السياسة التي لا تعرف إلا التخوين والتشهير تنتهي إلى تجفيف المجال العام من كل صوت مستقل. ومن حق صباحي، كما هو حق كل سياسي ومثقف، أن يحاسب على مواقفه بالحجة والوقائع، لا بمنطق المحاكمة الجماعية.
ثم اسألوا أنفسكم: ما الذي يريد حمدين صباحي أن ينتزعه منكم اليوم؟ الرجل ليس في السلطة، ولا يترشح لمنصب، ولا يقود جهازًا من أجهزة الدولة، ولا يملك أدوات لإجبار أحد على تبني رأيه. إنه رجل تقدم به العمر، وتراجع طوعًا عن صخب المنافسة السياسية، لكنه لم يتراجع عن قناعاته. وحين يتحدث اليوم عن فلسطين أو عن العدوان على شعب عربي أو عن قضية من قضايا الاستقلال الوطني والكرامة العربية، فإنه يفعل ذلك من موقع سياسي وفكري لا من موقع صاحب مصلحة في منصب. وهذه نقطة ينبغي أن يدركها خصومه قبل مؤيديه: الاختلاف مع الرجل لا يحتاج إلى اغتياله؛ لأن الرجل لا يقف في طريق أحد.
وفي المدرسة الناصرية التي أنتمي إليها، لا تقاس قيمة السياسي بعدد المقاعد التي جلس عليها، ولا بعدد المناصب التي حملها، وإنما بما إذا كان قد حافظ على جوهر الفكرة عندما كان التخلي عنها أسهل. والوطنية عندنا ليست شهادة تمنح من خصم لخصمه، والقومية العربية ليست تهمة، والعدالة الاجتماعية ليست شعارًا تجاوزه الزمن. ومن هذه الزاوية، فإن حمدين صباحي يمثل بالنسبة إلى قطاع من المصريين والعرب ذاكرة سياسية كاملة: جيلًا آمن بأن مصر لا تنفصل عن محيطها العربي، وأن استقلال القرار الوطني لا يتناقض مع الانتماء القومي، وأن الفقراء والطبقات الشعبية ليسوا مجرد أرقام في نشرات الانتخابات.
وأنا هنا لا أدعو إلى صناعة تمثال جديد لحمدين صباحي، ولا أطلب من أحد أن يصفق لكل ما قاله أو فعله. السياسي الجاد يناقش ويراجع وينتقد، وربما يخطئ ويحاسب على خطئه. لكن ثمة فارقًا أخلاقيًا وسياسيًا بين أن تقول للرجل: أخطأت هنا، وأصبت هناك، وبين أن تقول له: ليس لك تاريخ، ولا موقف، ولا قيمة. الأول هو السياسة؛ أما الثاني فهو محاولة لمحو الإنسان. ومن حق المختلفين مع صباحي أن يختلفوا معه حتى النهاية، لكن من حقه أيضًا أن يعيش العقد الثامن من عمره محتفظًا بكرامته، وبحقه في الكلام، وبذاكرة لا يملك أحد مصادرتها.
لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تقال اليوم ليست دفاعًا أعمى عن حمدين صباحي، وإنما دفاع عن معنى أوسع: لا تقتلوا السياسة بقتل السياسيين معنويًا، ولا تجعلوا الاختلاف جريمة، ولا تجعلوا الوطنية شهادة تمنحونها لمن تشاؤون وتسحبونها ممن تشاؤون. حمدين صباحي يمكن أن ينتقد، ويمكن أن تختلفوا معه، ويمكن أن تسجلوا عليه ما ترونه من أخطاء، لكن تاريخه ملك للذاكرة السياسية المصرية، وليس ملكًا لحملة أو خصومة أو لحظة انفعال. لقد اختار الرجل أن يتراجع خطوات عن صراع السلطة، لكنه لم يتراجع عن قضايا يؤمن بها، وفي مقدمتها فلسطين والعروبة والعدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية. وسيبقى من حقه أن يقول كلمته، ومن حق الناس أن تتفق معه أو تختلف. أما محاولة اغتياله سياسيًا، بعد كل هذه العقود، فلن تكشف حمدين صباحي بقدر ما ستكشف أزمة المجال العام حين يصبح التخلص من صاحب الرأي أسهل من الرد على رأيه، اللهم بلغت اللهم فاشهد.









