السُمنة الفكرية
بقلم: د. سمر حمدان
في مارس 2017، كان أستاذ العلوم السياسية روبرت كيلي يتحدث إلى "بي بي سي" من منزله عن الأزمة السياسية في كوريا الجنوبية، حين دخلت طفلته الغرفة خلفه، ثم لحق بها طفل أصغر في مشّاية. حاول الأب مواصلة الحديث، بينما اندفعت امرأة إلى الغرفة لتخرج الطفلين. تحولت المقابلة إلى مشهد طريف انتشر حول العالم، لكن بعض المشاهدين ووسائل الإعلام قرروا أن المرأة هي المربية. كانت، في الحقيقة، زوجته وأم الطفلين.
كان يكفي ظهورها لثوانٍ حتى يمنحها آخرون وظيفة، ويكتبوا لها حكاية، ويتداولوا الحكاية كأنهم يعرفون هذه الأسرة. تكشف الواقعة عن تحيز في النظرة إلى الناس، لكنها تضعنا أيضًا أمام عادة تستحق التأمل: أن نملأ ما ينقصنا من معلومات بتصوراتنا، ثم ننسى أيّ الأجزاء رأيناه، وأيّها أضفناه من عندنا.
من هنا يبدأ السؤال: لماذا تمنحنا كثرة المعلومات شعورًا بالفهم، حتى حين تكون معرفتنا ناقصة؟
نستيقظ فنمد أيدينا إلى هواتفنا. خبر عن حرب، ونصيحة طبية، ومقطع من حوار، وخلاف بين شخصين لم نسمع بهما من قبل. خلال دقائق ننتقل بين عوالم يحتاج كل منها إلى وقت كي نفهمه. ثم نغادر الفراش وفي رؤوسنا إحساس بأننا تابعنا ما يجري.
الإحساس مفهوم؛ فقد قرأنا بالفعل، وشاهدنا، وربما شاركنا وعلقنا. لكن متابعة الأشياء على هذا النحو قد تترك لدينا ألفة بأسمائها أكثر مما تترك معرفة بها. نتذكر أننا مررنا على قضية، فنظن أننا نعرفها، وحين تظهر مرة أخرى نستقبلها باعتبارها موضوعًا مألوفًا لا يحتاج إلى كثير من السؤال.
أسمي هذا "السمنة الفكرية": امتلاءً بالمعلومات يصعب معه تمييز ما فهمناه مما اكتفينا بتلقيه.
قد تظهر المشكلة في نقاش عادي. نبدأ الكلام بثقة، ونستدعي عنوانًا قرأناه أو عبارة سمعناها، ثم يسألنا شخص عن المصدر أو الظروف التي قيلت فيها العبارة. عندها نكتشف أن ما نتذكره أقل مما توحي به ثقتنا. ومع ذلك، يصعب أحيانًا التراجع؛ فقد أصبح لنا رأي ندافع عنه أمام الآخرين.
في هذه اللحظة، تكتسب المعلومة وظيفة أخرى. تمنحنا مكانًا في الحديث، وفرصة لإظهار الاطلاع، وربما انتماءً إلى طرف نحبه. ولذلك قد نتعلق بها قبل أن نختبرها. وما إن نعلن رأينا حتى يصبح تصحيحه أكثر كلفة من قوله للمرة الأولى.
هنا تبدو جاذبية المعرفة السريعة. الفهم يحتاج إلى احتمال الغموض، وإلى البقاء مع سؤال لم نجد إجابته بعد. أما العنوان الحاسم فيريحنا: يحدد المخطئ، ويشرح السبب، ويمنحنا كلمات جاهزة للتعبير عن موقفنا. نكسب سرعة المشاركة، وقد نخسر فرصة اكتشاف أن الحكاية أعقد.
ولهذا أيضًا لا يكفي أن نجمع مصادر أكثر. يستطيع المرء أن يقرأ عشر مواد متشابهة، فيزداد يقينًا بالرأي نفسه، من دون أن يقترب من السؤال الذي غاب عنها جميعًا. وقد توقفه فقرة واحدة تخالف توقعاته، فيعود إلى ما قرأه بعين أخرى. قيمة القراءة تظهر أحيانًا في الارتباك الذي تتركه، وفي قدرتها على تعطيل إجابة كنا مطمئنين إليها.
ولا تنحصر قيمة المعرفة في منفعة مباشرة أو سلوك يتغير فورًا. للرواية التي نقرأها للمتعة، وللتاريخ البعيد عن حياتنا، وللفكرة التي لا نعرف بعد أين نستخدمها، مكان في تكويننا. الخطر هو أن تتحول القراءة إلى جمع متواصل لما لا نمنحه فرصة للفهم، وأن نخلط بين امتلاك الكلمات وامتلاك معناها.
في مشهد روبرت كيلي، كانت المعلومة الناقصة صغيرة: من هذه المرأة؟ لكن الفراغ لم يبق مفتوحًا؛ ملأه المشاهدون بإجابة من تصوراتهم. تتكرر هذه الحركة في قضايا أكبر، حين نرى جزءًا من واقعة ونستكمل بقيتها بما نعتقده عن أصحابها.
ربما يكون النضج أن ننتبه إلى هذا الفراغ قبل أن نتكلم. أن نستطيع رؤية ما ينقص معرفتنا، حتى ونحن نملك كثيرًا من المعلومات. فقول "لا أعرف" يترك للحقيقة مكانًا تصل إليه؛ أما الإجابة المتعجلة فقد تغلقه.
كان المشهد واضحًا على الشاشة: طفلان يدخلان، وامرأة تسرع لإخراجهما. وما عداه احتاج إلى سؤال. كم مرة في يومنا ننسى أن نسأل، لأننا نشعر أننا عرفنا بالفعل؟









