الثلاثاء 17 فبراير 2026 08:28 مـ 29 شعبان 1447هـ
الجورنالجي
  • رئيس مجلس الإدارة أحمد يس
  • رئيس التحرير علاء طه
مقالات

قراءة سوسيولوجية في وهم الامتلاك !!

الدكتور محمد سيد أحمد
الدكتور محمد سيد أحمد

مع قرب حلول شهر رمضان من كل عام تسمح الأجواء الروحانية بالتأمل في كثير من الظواهر الكونية، وخلال الأيام القليلة الماضية انغمست في حالة من التفكير والتأمل حول فلسفة "الملكية" باعتبارها ظاهرة كونية ذات طبيعة اجتماعية. ومن منظور علم الاجتماع، لا تفهم "الملكية" بوصفها مجرد علاقة قانونية بين فرد وشيء، ولا باعتبارها حقًا اقتصاديًا محضًا، بل بوصفها بناءً اجتماعيًا مركبًا، تشكل تاريخيًا داخل سياقات ثقافية ودينية وسياسية محددة. فالملكية في جوهرها، تعبير عن طريقة تنظيم المجتمع لعلاقته بالموارد، وعن الكيفية التي يمنح بها الأفراد شعورًا بالاستقرار والهوية والمعنى. غير أن هذا البناء، على رسوخه الظاهري، يظل هشًا وقابلًا للتفكك، وهو ما تضعه مقولة: "إن الملك إلا لله" في موضع المساءلة الجذرية.

هذه المقولة لا تقدم موقفًا لاهوتيًا مجردًا، بل تطرح رؤية أنثروبولوجية وأخلاقية عميقة لطبيعة علاقة الإنسان بالعالم. فهي تنزع عن الإنسان وهم التملك المطلق، وتعيد تعريفه بوصفه مستخلفًا، أو فاعلًا اجتماعيًا يمارس حق الانتفاع المؤقت داخل نظام كوني لا يملك مفاتيحه النهائية. ومن هنا تلتقي الرؤية الدينية مع التحليل السوسيولوجي في نقطة محورية: ما نعده ملكا دائمًا ليس سوى وضع اجتماعي عابر.

لقد ارتبط مفهوم الملكية تاريخيًا، بإحساس الإنسان بالأمان والسيطرة والاستمرارية. فالامتلاك يمنح الفرد شعورًا بالثبات في عالم متغير، ويغذي وهم القدرة على التحكم في المستقبل. ولهذا لم يقتصر التملك على الأشياء المادية كالبيت والأرض، بل امتد ليشمل الوظيفة، والمكانة الاجتماعية، والعلاقات، بل وحتى الأدوار الأسرية. فالإنسان لا يقول فقط "هذا بيتي"، بل يقول ضمنيًا: "هذه هويتي، هذا موقعي، هذا امتدادي في الزمن".

غير أن علم الاجتماع، منذ كلاسيكياته الأولى، كشف عن الطابع النسبي والمؤقت لهذه التصورات. فدوركايم أشار إلى أن ما يبدو لنا طبيعيًا وثابتًا ليس إلا نتاجًا للتنظيم الاجتماعي. وماركس فضح العلاقة بين الملكية والوهم، مبينًا كيف تتحول الأشياء إلى كيانات مسيطرة على الإنسان بدل أن تكون أدوات في خدمته. أما زيغمونت باومان، في حديثه عن "الحداثة السائلة"، فقد أكد أن الثبات نفسه أصبح استثناءً، وأن التغير لم يعد عارضًا بل هو القاعدة.

في هذا السياق، تبدو فكرة الملكية الدائمة نوعًا من الإنكار الاجتماعي لحقيقة التغير. فنحن نعيش داخل منظومات متحركة باستمرار: علاقات اجتماعية يعاد تشكيلها، أدوار تتبدل، ومواقع ننتقل بينها دون يقين. ولو أجرينا مراجعة بسيطة لتجاربنا الشخصية، لوجدنا أن معظم ما اعتبرناه يومًا "ثابتًا" قد تغير أو زال. من كانوا بجانبنا قبل سنوات قليلة؟ من كانوا يمثلون الدائرة الأقرب في حياتنا؟ أين كنا نعمل، وكيف كنا نعرف أنفسنا مهنيًا؟ وأي بيت كنا نعده "مستقرًا نهائيًا"؟

الإجابات تكشف حجم السيولة التي تحكم التجربة الإنسانية. أشخاص رحلوا بالموت، أو بالمسافة، أو بتغير المعاني. وظائف انتهت أو تبدلت، لا لأنها كانت سيئة بالضرورة، بل لأن البنى الاقتصادية والاجتماعية نفسها أعادت ترتيب أولوياتها. أبناء كبروا، وخرجوا من دوائر الاعتماد، وأعادوا تعريف العلاقة مع الوالدين. بيوت تغيرت، وكأن المكان ذاته يرفض الاعتراف بالديمومة.

هنا تتجلى المفارقة السوسيولوجية الكبرى: كلما تمسك الإنسان بوهم الامتلاك، ازداد شعوره بالهشاشة عند الفقد. فالبيت الذي نراه "ملكا" هو في الحقيقة عقد انتفاع مؤقت، سينتقل لغيرنا. والسيارة، والوظيفة، والمكانة، ليست سوى مواقع عابرة داخل شبكة اجتماعية أوسع. وحتى العلاقات التي نظنها أقرب أشكال الملكية – الزوجة، الأبناء – لا تخضع لمنطق التملك، بل لمنطق المشاركة الزمنية، حيث يعيد الزمن تشكيل القرب والبعد باستمرار.

بل إن الأشياء البسيطة، كالملابس، التي نستخدمها يوميًا، تحمل الدلالة نفسها: تقتنى، تستعمل، ثم تستبدل أو تترك. وكأن العالم المادي بأسره يرسل رسالة ضمنية مفادها أن الاستمرار ليس من خصائصه، وأن الثبات وهم لغوي أكثر منه حقيقة اجتماعية.

غير أن هذه الرؤية لا تقود، كما قد يظن، إلى السلبية أو الانسحاب من الحياة. على العكس، فإن الوعي بسقوط وهم الامتلاك يفتح أفقًا تحرريًا عميقًا. فالإنسان الذي يدرك أن الملك لله، وأنه عابر في هذا العالم، يتحرر من القلق المرضي المرتبط بالخسارة، ويتصالح مع فكرة الفقد بوصفها جزءًا من البنية الطبيعية للحياة الاجتماعية.

هذا الإنسان يعمل، لكنه لا يختزل قيمته في وظيفته. يحب لكنه لا يؤله العلاقات ولا يطالبها بالخلود. يفرح دون أن يتوهم دوام الفرح، ويحزن دون أن يعتقد أن الحزن قدر أبدي. إنه يعيش داخل العالم، لا متعلقًا به تعلق المالك، بل متفاعلًا معه تفاعل العارف بمحدودية الزمن.

من هنا تبرز الحكمة العملية لهذه الرؤية: أن نعيش اللحظة بوصفها فرصة لا ضمانة. أن نعيش مع الناس بوعي أنهم عابرون مثلنا. أن نتعامل مع الأماكن والأشياء دون وهم الامتلاك النهائي. وأن ندرك أن الزمن لا يعيد التجارب في الصيغة نفسها مرتين.

إن مقولة "إن الملك إلا لله" لا تسلب الحياة معناها، بل تعيد تأسيس هذا المعنى على أساس أخلاقي وإنساني أعمق. فهي تذكرنا بالتواضع الوجودي، وبالمساواة النهائية بين البشر أمام حقيقة الزوال، وبأن القيمة الحقيقية لا تكمن في ما نراكمه من ممتلكات، بل في كيفية عيشنا، وفي الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين دون أن نثقلهم بوهم السيطرة والامتلاك.

سيظل الغد مجهولًا، محجوبًا بعلم الله وحده. وما بين هذا اليوم وذلك الغد، لا نملك إلا أن نحسن الانتفاع، وأن نعيش بوعي، قبل أن تنتهي مدة العقد الاجتماعي والوجودي، دون إخطار مسبق، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

أسعار العملات

العملةشراءبيع
دولار أمريكى​ 18.261718.3617
يورو​ 20.049520.1629
جنيه إسترلينى​ 24.092624.2337
فرنك سويسرى​ 19.610919.7204
100 ين يابانى​ 15.004215.0901
ريال سعودى​ 4.86824.8951
دينار كويتى​ 59.968760.4519
درهم اماراتى​ 4.97124.9996
اليوان الصينى​ 2.86492.8842

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 1,103 إلى 1,126
عيار 22 1,011 إلى 1,032
عيار 21 965 إلى 985
عيار 18 827 إلى 844
الاونصة 34,299 إلى 35,010
الجنيه الذهب 7,720 إلى 7,880
الكيلو 1,102,857 إلى 1,125,714
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الثلاثاء 08:28 مـ
29 شعبان 1447 هـ 17 فبراير 2026 م
مصر
الفجر 05:06
الشروق 06:33
الظهر 12:09
العصر 15:20
المغرب 17:45
العشاء 19:03