سعاد سليمان… وطن من الحكايات
بعض الكتّاب نقرأ لهم، وبعضهم نعيش معهم، وقليلون هم الذين نشعر بعد الانتهاء من كتبهم بأن شيئًا في داخلنا لم يعد كما كان. وسعاد سليمان تنتمي إلى ذلك القليل النادر؛ فهي لا تكتب الحكاية كي تمر أمام أعيننا ثم تنتهي، بل تفتح بها نافذة في جدار الذاكرة، وتجعلنا نرى من خلالها أرواحًا عاشت بيننا، وتألمت بصمت، ثم مضت من دون أن يلتفت إليها أحد.
حين أكتب عن سعاد سليمان، لا أجدني أمام اسم أدبي أستعرض مؤلفاته أو أسرد تواريخ إصداراته، بل أمام تجربة إنسانية كاملة صنعتها امرأة تعرف كيف تنصت إلى ما لا يُقال، وكيف ترى أولئك الذين اعتاد العالم أن يمر بجوارهم سريعًا. إنها كاتبة منحازة إلى الإنسان، وإلى المرأة بصفة خاصة، لا لأنها ترفع شعارًا أو تتبنى تصنيفًا، ولكن لأنها تعرف النساء من الداخل؛ تعرف صمتهن الطويل، وأحلامهن المؤجلة، ومخاوفهن المختبئة خلف ابتسامة عادية، وقدرتهن المدهشة على النهوض كلما اعتقد الآخرون أنهن انتهين.
ولدت سعاد سليمان في صعيد مصر، وحملت معها إلى الإسكندرية ثم القاهرة ذاكرة المكان الأول: الحواديت، والأمثال، والعادات، وصوت الجدات، وصور البيوت القديمة، والحنين الذي لا يزول مهما ابتعد الإنسان. ومن تنقلها بين الصعيد والإسكندرية والقاهرة تشكل عالمها الأدبي؛ عالم يجمع بين صلابة الجنوب، ورحابة البحر، وصخب العاصمة وتناقضاتها.
بدأت رحلتها مع القصة، فكانت مجموعتها «هكذا ببساطة» إعلانًا مبكرًا عن موهبتها في التقاط التفاصيل الصغيرة وتحويلها إلى لحظات إنسانية مؤثرة. فهي لا تحتاج إلى أحداث صاخبة كي تحرك مشاعر قارئها؛ تكفيها نظرة مؤجلة، أو جملة لم تكتمل، أو امرأة تنتظر كلمة لن تأتي، أو إنسان بسيط يحاول الحفاظ على كرامته في عالم لا يرحم.
ثم جاءت رواية «غير المباح» لتكشف جانبًا مختلفًا من عالمها. في هذه الفانتازيا السياسية لم تعد شهرزاد امرأة تروي الحكايات كل ليلة حتى يمنحها شهريار يومًا جديدًا، بل أصبحت رمزًا لكل امرأة اضطرت إلى استخدام الصبر والكلام والاحتمال كي تنجو. لقد تعبت شهرزاد من حياة معلقة برضا الرجل، ورفضت أن يكون ذكاؤها مجرد وسيلة تمنحها ليلة أخرى.
تسأل الرواية: من يحدد ما هو مباح وما هو ممنوع؟ ومن يملك حق الكلام؟ ومتى تتحول الحكاية من وسيلة لإرضاء السلطة إلى أداة لمواجهتها؟ ولهذا لم تكن «غير المباح» مجرد رواية رمزية، بل كانت مواجهة أدبية مع القيود التي تُفرض على الإنسان والمرأة والفكر.
وفي مجموعتها «الراقص» نلتقي بشخصيات تتقن إخفاء ألمها خلف مظاهر الحياة العادية. فالراقص عند سعاد سليمان قد لا يرقص فرحًا، بل لأنه يحاول الحفاظ على توازنه فوق جراحه. تدخل الكاتبة إلى العلاقات العائلية الملتبسة، وإلى عالم الأب والابنة، والحب الذي قد يتحول إلى سيطرة، والحماية التي قد تصبح قيدًا، والانتماء الذي يختلط أحيانًا بالرغبة في الهروب.
أما في «آخر المحظيات»، فقد قدمت واحدة من أكثر حكاياتها رهافة وقسوة. تبدأ الرواية بعد وفاة رامي، حين تكتشف زوجته زينة أنه كان يعيش علاقة عاطفية سرية مع فنانة تشكيلية تدعى هدية. وبدلًا من أن ينتهي كل شيء بموت الزوج، تبدأ بعد رحيله رحلة البحث عن حقيقته.
لا تقدم الرواية الزوجة بوصفها الضحية الوحيدة، ولا العشيقة بوصفها المذنبة الوحيدة، بل تضع المرأتين أمام الحزن نفسه. كلتاهما أحبت رجلًا لم تمنحها علاقتها به اكتمالًا حقيقيًا، وكلتاهما خرجت من حكايته مجروحة. ومن هنا يصبح معنى «المحظية» أوسع من العلاقة السرية؛ فقد تكون المرأة زوجة أمام المجتمع، لكنها تعيش خارج قلب الرجل، وقد تكون حبيبة تظن أنها الاستثناء، ثم تكتشف أنها كانت تنتظر وعدًا لن يتحقق.
أجمل ما في الرواية أنها لا تصنع معركة تقليدية بين امرأتين، بل تكشف أن العدو لم يكن إحداهما، وأنهما كانتا ضحيتين للحكاية نفسها. لقد حولت سعاد سليمان قصة الخيانة المعروفة إلى سؤال إنساني عميق عن الحب والامتلاك والفقد والحقيقة التي قد تصل متأخرة أكثر مما ينبغي.
وفي «هبّات ساخنة» كسرت الكاتبة صمتًا اجتماعيًا طويلًا حين اقتربت من التحولات الجسدية والنفسية التي تمر بها المرأة في منتصف العمر. اختارت أن تضع أحداث الرواية في زمن مضطرب، فتجاورت ثورة الشوارع مع ثورة الجسد والروح.
تكتب سعاد هنا عن امرأة تخاف أن تفقد جمالها وجاذبيتها ومكانتها، وتكتشف أن المحيطين بها لا يفهمون ما تمر به. لكنها لا تتناول هذه المرحلة باعتبارها نهاية للأنوثة، بل بداية لوعي أكثر نضجًا بالذات. وأهم ما تقوله الرواية للمرأة إنها ليست وحدها، وإن تغير الجسد لا يلغي حقها في الحب والاهتمام والحياة.
أما مجموعتا «شهوة الملايكة» و«شال أحمر يحمل خطيئة»، فتكشفان قدرة سعاد سليمان على رؤية التناقضات التي تسكن النفس البشرية. هي لا ترسم الإنسان بلون واحد، بل تراه كما هو؛ يحمل النور والظل، البراءة والرغبة، القوة والضعف. وفي قصصها تتحول الأشياء الصغيرة، مثل شال أو مرآة أو فستان أو تجعيدة عابرة، إلى أبواب تكشف عوالم كاملة من الحرمان والحنين والخوف.
ثم جاءت روايتها «حكايات منسية… سيرة ناس عاشوا خارج الزمن» كأنها عودة إلى البئر الأولى، إلى الصعيد الذي ظل يسكنها مهما ابتعدت عنه. عادت إلى قرية الصوامعة غرب، وإلى حكايات العائلات وعودة الغائبين وسطوة الأقوياء، وإلى عالم الصعيد قبل أن تغير المدنية كثيرًا من ملامحه.
لكنها لم تقدم الصعيد في صورته الدرامية المصطنعة، بل دخلت إلى بيوته الحقيقية، وكشفت ما وراء أبوابه من شهامة وقسوة، وفقر وكرامة، وحب وصراع، وثأر وخوف وحنين. كتبت عن الذين دفعتهم ظروف الحياة إلى مغادرة قراهم نحو الإسكندرية والقاهرة، وهم يحملون معهم لهجتهم وعاداتهم وذاكرتهم القديمة.
وأجمل ما في «حكايات منسية» أن المرأة تنتقل فيها من الهامش إلى قلب التاريخ. لم تعد مجرد شخصية تراقب ما يفعله الرجال، بل أصبحت مؤرخة للعائلة، تحفظ الأسماء والوجوه والطقوس، وتتذكر من أحب ومن هاجر ومن مات ومن عاد بعد الغياب.
فإذا كان التاريخ الرسمي يكتب عن الحكام والحروب، فإن النساء يحفظن تاريخًا آخر أكثر دفئًا وصدقًا: مذاق الطعام، وأغاني الأفراح، ومواويل الفقد، وملابس الراحلين، وأسرار البيوت، وكلمات الجدات، والأحلام التي لم تكتمل. ولولا ما تحتفظ به النساء في ذاكرتهن لضاعت نصف حكايات العالم، وربما ضاع أكثرها صدقًا.
سعاد سليمان لا تكتب عن البسطاء والمهمشين من بعيد، ولا تتعامل معهم بوصفهم مادة للشفقة، بل تكتبهم من الداخل، وتمنحهم أسماء وأصواتًا وكرامة. إنها لا تبحث عن أبطالها فوق المنصات العالية، بل تجدهم بين الذين حملوا الحياة فوق ظهورهم ومضوا من دون أن يطالبوا أحدًا بكتابة أسمائهم.
ولعل أجمل ما فيها أن مسيرتها تشبه بطلاتها؛ مسيرة امرأة لم تنتظر أن يُفسح لها الطريق، بل صنعته بنفسها. بدأت طفلة صعيدية كان تعليم الفتاة في زمنها معركة، ثم أصبحت إعلامية وصحفية وقاصة وروائية وصلت أعمالها إلى القراء والنقاد والدراسات الأكاديمية والترجمة، من دون أن تتخلى عن ارتباطها بالناس البسطاء وحقهم في الثقافة والمعرفة.
بالنسبة إليّ، لا تمثل سعاد سليمان مجرد كاتبة ناجحة أو اسم مهم في الأدب المصري، بل تمثل نموذجًا للمرأة التي عرفت طريقها، وحافظت على صوتها، ولم تستعر صوت أحد. أحب فيها ذلك التوازن النادر بين قوة الموقف ورقة الروح، وبين جرأة الكاتبة وصدق الإنسانة.
وربما لهذا أراها مثلًا أعلى؛ ليس لأنها تقدم صورة امرأة لا تتعب أو لا تخطئ، بل لأنها تجسد صورة أكثر صدقًا وجمالًا: امرأة تتعب ثم تواصل، تنكسر ثم تستعيد نفسها، تخاف لكنها لا تتراجع، وتحمل أحزانها من دون أن تسمح لها بأن تطفئ نورها.
الكتابة عند سعاد سليمان ليست مجرد مهنة أو هواية، بل مسؤولية تجاه الذين لا يملكون منبرًا، وتجاه النساء اللواتي عشن طويلًا خلف الأبواب، وتجاه ذاكرة قد تموت إذا لم تجد من ينقذها بالكلمات.
ولهذا، حين نغلق أحد كتبها، لا نغادر الحكاية فعلًا؛ تبقى زينة واقفة أمام سر زوجها الراحل، وتظل هدية محاصرة بحب ناقص، وتواصل امرأة «هبّات ساخنة» مصالحتها مع جسدها وعمرها، وترفض شهرزاد في «غير المباح» أن تشتري يومًا جديدًا بحكاية أخرى، بينما تجمع نساء «حكايات منسية» شظايا الذاكرة ويكتبن تاريخًا كاد أن يضيع.
هذه هي سعاد سليمان: كاتبة لا تمنحنا حكايات جميلة فحسب، بل تمنحنا عيونًا جديدة نرى بها العالم. وإذا كان لكل كاتب وطن يعود إليه، فإن وطنها الحقيقي هو الحكاية؛ الحكاية التي تنقذ امرأة من الصمت، وتعيد الغائب إلى الذاكرة، وتمنح المهمش مكانًا في الضوء.
وحين يبحث أحدهم يومًا عن أولئك الذين عاشوا خارج الزمن، سيجدهم هناك، بين صفحات كتبها، أحياء كما أرادت لهم أن يكونوا؛ لهم وجوه وأسماء وأحلام، ولهم كاتبة رفضت أن تتركهم للنسيان









