من سبط يهوذا إلى إبادة عماليق.. مرصد الأزهر يكشف دلالات تسمية إسرائيل لعمليتها الأخيرة زئير الأسد
كشف مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، عن دلالة تسمية الكيان الصهيوني لعمليته الأخيرة "زئير الأسد"، قائلًا، إن مسمى (מבצע שאגת הארי) "عملية زئير الأسد" يستند إلى صورة الأسد في النصوص التوراتية، حيث تتكامل دلالتا الأسد والزئير بوصفهما رمزًا للقوة الإلهية، والهيبة، السيادة التاريخية المرتبطة بسبط يهوذا، فالأسد في المخيلة التوراتية ليس مجرد حيوان مفترس، بل علامة على الشرعية والقيادة والنفوذ، وتتوزع هذه الدلالة في عدد من النصوص التوراتية التي تربط بين صورة الأسد وفعل الزئير بوصفه إنذارًا أو فعلًا تمهيديًّا للحسم والقضاء على الخصوم.
وتابع المرصد في بيان له أنه من هذه النصوص التوراتية: "وَرَاءَ الرَّبِّ يَسِيرُونَ. كَأَسَدٍ يَزْأَر". (سفر هوشع: الإصحاح 11/ الفقرة 10) يشبه هنا صوت الرب بزأئير الأسد في دلالة على السلطة الإلهية التي تستدعي الطاعة والاستجابة، "الأَسَدُ قَدْ زَأرَ، فَمَنْ لَا يَخَافُ؟ السَّيِّدُ الرَّبُّ قَدْ تَكَلَّمَ، فَمَنْ لَا يَتَنَبَّأُ؟ (سفر عاموس: الإصحاح 3/ الفقرة 8)، "كَأَسَدٍ زًائِرٍ يَخْطُفُ الْفَرِيسَةَ" (سفر حزقيال: الإصحاح 22/الفقرة 25)، "يَزْأَرُونَ كَالشِّبْلِ، وَيَهِرُّونَ وَيُمْسِكُونَ الْفَرِيسَةَ وَيَسْتَخْلِصُونَهَا وَلَا مُنْقِذَ" (سفر إشعياء: الإصحاح 5/الفقرة 29) حيث يتحول الأسد إلى صورة مكتملة للهجوم والحسم وعدم وجود منقذ للخصم.
وأكد: ويكتمل الإطار الرمزي في سفر التكوين (الإصحاح 49/ الفقرة 9): "يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ"، وهو النص التوراتي المؤسس لرمزية الأسد، الذي ارتبط تاريخيًّا بسبط يهوذا ثم بإسقاط ذلك على إسرائيل، وأصبح في الوعي الديني والقومي رمزًا للسيادة والشرعية التاريخية.
الربط الدلالي بين العنصرين التوراتيين:
وأضاف: الأسد= رمز مركزي في النصوص التوراتية، يرتبط بسبط "يهوذا"، يدل على السيادة والقوة والشرعية التاريخية، الزئير= فعل إنذاري يسبق الحسم، يعبر عن الهيبة والردع، ويستخدم في النصوص التوراتية للدلالة على الصوت الإلهي أو الإعلان عن فعل حسم قادم، وبذلك، فإن "زئير الأسد" يجمع بين الهوية التاريخية (يهوذا/السيادة) والفعل الردعي الحاسم (الزئير/الإنذار)، ليحمل شحنة رمزية دينية عميقة تتجاوز المعنى الحيواني المباشر. فهو يستدعي شرعية توراتية، وقوة ذات بعد إلهي، وإيحاءً ببدء عملية حاسمة ذات بعد تاريخي وهوياتي في الوعي الديني اليهودي، مع توظيف بلاغي واضح يخدم السياق العسكري والنفسي في آنٍ واحد.
وأكد: هذا وقد أفرد موقع "واللا نيوز" تقريرًا حول مسمى العملية، مشيرًا إلى أن الذكرى الـ106 –التي تحل غدًا الأحد 1 مارس- لمعركة تل حاي تتزامن مع إطلاق هذه العملية العسكرية الإسرائيلية التي تحمل مسمى "زئير الأسد"، في إشارة مباشرة إلى تمثال "الأسد الزائر" المقام على القبر الجماعي لضحايا المعركة، وفي مقدمتهم "يوسف ترومبلدور".
وتحولت هذه المعركة عبر العقود إلى رمز وطني مركزي في السردية الإسرائيلية. ويأتي إحياء الذكرى الـ106 للمعركة في ظل القتال المتواصل في منطقة الشمال، الأمر الذي أدى إلى إجلاء سكان كفار جلعادي والبلدات المجاورة.
الدلالة الاستراتيجية
وأوضح: إطلاق اسم "زئير الأسد" على العملية العسكرية بالتزامن مع ذكرى "تل حاي" يعكس توظيفًا رمزيًا للتاريخ في سياق المواجهة الجارية، بما يعزز الارتباط بين الذاكرة الوطنية والواقع الأمني المعاصر، خاصة في منطقة الشمال التي تشكل مسرحًا مباشرًا للتوتر العسكري.
وأكمل: يمكن القول إن توقيت العملية في "شَبات زاخور" –حرفيًّا سبت التذكر- يضفي عليها بعدًا رمزيًّا لافتًا في السياق الديني اليهودي. فهذا السبت يعد أحد السبوت الخاصة في التقويم العبري، ويأتي مباشرةً قبل عيد البوريم، وفيه تتلى فقرة خاصة من سفر التثنية (الإصحاح 25/ الفقرة 17) التي تستهل بعبارة: "اذْكُرْ مَا فَعَلَهُ بِكَ عَمَالِيقُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكَ مِنْ مِصْرَ".
وتابع: وتتضمن هذه الفقرة وصيةً باستحضار اعتداء عماليق على بني إسرائيل عند خروجهم إلى سيناء، مقترنةً بالدعوة إلى إبادتهم. ويرتبط "شَبات زاخور" بعيد البوريم لأن شخصية الوزير "هامان" في سفر "إستير" تُنسب تقليديًّا إلى نسل عماليق، ولذلك تقرأ وصية التذكر قبل البوريم بأيام قليلة، في استدعاء رمزي لفكرة مواجهة عدو وجودي متجدد، ومن ثم؛ فإن تزامن العملية مع هذه المناسبة الدينية يمنحها بعدًا رمزيًّا يتصل بفكرة التهديد الوجودي والذاكرة الجماعية، خاصةً إذا ا قُرئ الحدث في ضوء اقترابه من عيد البوريم نفسه.
وأوضح: فالبوريم في الوعي اليهودي يخلّد –بحسب الرواية التوراتية– نجاة اليهود من مخطط إبادة نُسب إلى الوزير الفارسي "هامان" في بلاط الملك "أحشويروش"، وتروي القصة أن "إستير" الملكة، التي أخفت هويتها اليهودية في البداية، نجحت بالتعاون مع "مردخاي" في كشف المؤامرة، لينتهي الأمر بإنقاذ اليهود وسقوط هامان.
وتابع: في هذا الإطار، يمكن أن يُقرأ توقيت العملية عشية عيد البوريم بوصفه ذا شحنة رمزية إضافية، نظرًا لارتباط العيد تاريخيًا بالإمبراطورية الفارسية، التي تُعدّ إيران امتدادها الجغرافي المعاصر، فاستحضار قصة النجاة من تهديد فارسي قديم يفتح المجال أمام قراءة رمزية للصراع الراهن مع إيران باعتباره –في بعض الخطابات– امتدادًا لنمط تاريخي من التهديد الوجودي.
وتتضح هذه القراءة بصورة أكبر لدى بعض التيارات الدينية القومية في إسرائيل، التي تميل إلى تأطير الصراع مع إيران ضمن سردية "الاستمرارية التاريخية" للتهديد الفارسي بوصفه تهديدًا وجوديًّا متجددًا، وبذلك، فإن التوقيت –سواء كان محض صدفة عملياتية أم اختيارًا واعيًا– يظل قابلًا لقراءة رمزية في ضوء هذا التداخل بين الذاكرة الدينية والسردية السياسية المعاصرة.







